سر الابداع في المعاناة، وحده صاحب المعاناة لا يذوق طعم هذا الابداع، إنما يأخذ منها مر الوجع، كلما توجع اكثر، زاد حزنه وثقلت همومه، جاء ابداعه مختلفا متألقا. إننا نحن الذين نشعر بهذا الابداع، ننسجم معه، يسحرنا، يولد فينا الحنين والوله، ننسى ان الذي اعطانا الجمال، نسي أن يأخذ منه، لم يستشعره، ما عرفه كل الذي فيه اوجاع فينا انانية، إننا نعتز بابداعه، نحفظه، نحبه، نفاخر به، ولا نتذكر ان الذي صنع الابداع، هو انسان اخذ من هذا الوجود وجهه المظلم، وترك لنا جماليات الحياة في اشراقات ابداعه. احمد الكندي احد الذين ابدعوا وتألقوا وظلمتهم الحياة، فعذب ابداعه تولد من عذابه في هذه الحياة، كما غمز وفسر وصاح من مرها وأوجاعها في صور وقصائد شعرية عديدة، عددها قد يكون كل قصائده الشعرية: اذا امتدح او في اخوانياته وردوده، كذلك في حكمه ومراثيه، وحتى في حبه وغزلياته، كل صورة تتحدث من معاناة وعن معاناة. قصائد شعرية كاملة حكت بعض ويلاته في هذه الدنيا، مثل قصة السجن واخرى التي يتحدث فيها عن معاناته في هذه الحياة وفي اشارات واضحة، وفي قصائد اخرى اكتفى ان يرسل بيتا او بعض كلمات تلمح وتبحث عن فهيم يفسر، وفي اخرى لا يهمه فهم الناس او عدم ادراكهم لمراده، انه يبحث عن شيء مفقود، يعلم انه غير موجود، لكنه لا يرجو سوى ان يذكره ويتغنى به في دواخله. وفي كل احواله، في كل قصائده، في كل دروب معاناته واحزانه، يرفض ان تنكسر نفسه فوحدها التي يتمسك بشموخها وقوتها في ظلمة دروب الحياة. هنا قوته، فيها سر اوجاعه. يرضى ان يحافظ على قدر نفسه، ولو خسر ما دونها. هذه واحدة من جميل ابداعاته، فيها حكاية النفس الابية اذا وصلت الى حد الشبع، حد القناعة اذا تحولت فانه لا تنفع معها المزايا ولا كثرة العتاب، لا تعود كما كانت ابدا. تصرخ فيك القصيدة: احمل هذه النفس حافظ عليها يكفيك ذلك، ستعيش في الارض مهما تبدلت وتحولت وتنكدت عليك، ان فيها دروبا ومسالك ومناكب، لابد ان تفتح لك ابواب رزقها، فالمالك الرازق هو واحد لا شريك له. والنفس الكبيرة لا تنظر الى الصغائر، دائما مترفعة، اما الحفر التي تسكنها العقارب فينبغي لليد ان تحذرها، ولو اصابتها الخديعة وسرى فيها سم اللدغ لن تردها ثانية لذات الجحر فالعقرب بالمرصاد. اما في السير الطويل الشاق فعليك ان تتعلم من فراسة المجرب وحكمته يختار من الهجن تلك التي لا تبحث عن الظل في نار الشمس، انها تطرب وتهوى المسير في المصاعب. كذلك الدار عندما تتلون وتتكدر مشاربها يصبح العيش فيها صعب المراس مر المذاق، لابد ان تغادرها، فلا تظن ان العين تدمع من غير مسببات، لابد ان تكون حلت بها علة او اصابها اذى: من تقنع النفس قنعت لو تعاتبها ما عاد ترجع كما لول على العاده شيء بلا شفها ما عاد يطربها اذا انكفت ما لها في تركها راده نفسي على ما كرهت ماني بغاصبها ما هي على المخدعة والشين معتاده بالارض عايش وماشي في مناكبها والحمد والشكر للمعبود وزياده ما حد رزقه بيد غيره ويطلبها الرزق عند الذي يرجونه عباده خل الهظيمة وتركها لصاحبها لو كان عندك بعير عاجز اشداده من تلدغ اليد في الحفرة عقاربها ما تردها ثانية والعقرب سداده واختار من الهجن سير البعد يطربها ما تتبع الظل يوم الشمس وقاده والدار من يوم تتكدر مشاربها ما للمعيشة بها ذوقا على الراده ما تدمع العين الا لها سبايبها اما وغف اوبها عله ونكاده متى سيقرأ الناس احمد الكندي، متى يجدونه ديوانا مطبوعا متوفرا للجميع، ومتى سيسمعون صوته الشجي وصوت الربابة التي ابكاها بشعره ولحنه دهرا طويلا؟ لا نتمنى ان يكون ذلك بعيدا، فيكفي مثل هذا الشاعر كل هذا الاهمال والتغييب، انه تراث وابداع جميل يفرض علينا البحث فيه، وتكريم صاحبه المبدع الذي اتعبته الحياة طويلا نكرمه ولو بعد موته. ورحم الله احمد بن علي الكندي