اذا كان بعض المراقبين يرون أن تحولا على نحو ما حدث في السياسة الأمريكية تجاه الأوضاع المتردية في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، فإنهم يستندون الى بعض المواقف الأمريكية التي قد يفهم منها أن واشنطن خرجت عما يمكن تسميته بسياسة غض الطرف والصمت على الجرائم الاسرائيلية التي باتت ترتكب تحت مرأى ومسمع العالم كله يوميا في الأراضي الفلسطينية!! ويمكن تحديد هذه المواقف في زيارة المبعوث الأمريكي أنتوني زيني ومن قبله نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة.. وتقديم مشروع القرار الذي وافق عليه مجلس الأمن الدولي وحمل رقم (1397) واعترف لأول مرة بضرورة وجود دولتين فلسطينية واسرائيلية جنبا الى جنب وأخيرا تصريحات الرئيس جورج بوش نفسه التي ينتقد فيها سياسة العنف الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ووصفه لهذه السياسة بأنها لا تخدم عملية السلام!! ولاشك أن النظرة السطحية لهذه المواقف تؤكد أنها دلالات تشير الى أن قضايا الشرق الأوسط خرجت من الأدراج وعادت الى بؤر الاهتمام في السياسة الأمريكية. فقد أهملت الادارة الأمريكية الحالية - ونجزم - عن عمد هذه القضايا منذ أن وصل الرئيس بوش الى البيت الأبيض قبل أكثر من عام وزاد هذا الاهمال بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في العام الماضي التي قلبت موازين السياسة الأمريكية وجعلتها خاضعة لمعيار واحد وهو ما يسمى ب«الحرب ضد الارهاب». غير أن هذا الرأي الذي يتبناه الكثير من الكتاب والمحللين في عالمنا العربي، رغم استناده الى حقائق موضوعية أوضحناها سلفا، يتجاهل ثوابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط التي مهما كانت قوة المد والجزر فيها هي قلبا وقالبا مع اسرائيل. وحتى لا نجري وراء أوهام، نتذكر أنه في الوقت الذي كان الدور الأمريكي في الشرق الأوسط قد وصل الى أكثر حالاته نشاطا في عهد ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون الى درجة الاعتقاد الراسخ في الفكر والعقل العربي أن (99%) من أوراق حل المشكلة الفلسطينية هي في أيد أمريكية نقول كانت الولايات المتحدة - الراعي الرئيسي لعملية السلام - منحازة تماما للطرف الآخر! معنى هذا أن ما نجده من تحركات أمريكية هنا أو هناك لا تعني بالضرورة أن تغييرا جذريا حدث بين يوم وليلة في عقلية صانع القرار الأمريكي. وتبقى الحقائق الموضوعية المشار اليها التي استند اليها المتفائلون بالموقف الأمريكي في حكمهم على التحول الايجابي في السياسة الأمريكية في واقع الأمر محاولات مخططاً لها سلفا لتوظيف الأوضاع في الشرق الأوسط لخدمة أهداف المصالح الأمريكية. بعبارة أخرى لم تكن جولة تشيني في المنطقة سوى نوع من جس النبض وقياس اتجاهات أصدقاء واشنطن بشأن خطوات تزمع الادارة الأمريكية الاقدام عليها لتطوير عملياتها الحربية ضد ما يسمى بالحملة ضد الارهاب، وكذلك اختبار ردة الفعل العربية ازاء العملية المتوقعة لضرب العراق أحد أعضاء «محور الشر» الذي أصدر بوش بشأنه «فرمانا» في خطابه حول حالة الاتحاد يوم التاسع والعشرين من يناير الماضي. أما مهمة المبعوث أنتوني زيني التي فشلت من قبل في ظل ظروف أقل سخونة ودموية مما عليه الآن، فإنها تأتي لهدف محدد هو اثبات أن التواجد السياسي الأمريكي ما زال قائما على نحو ما في المنطقة، دون انتظار من زيني أن يأتي بوصفة سحرية ومبادرة تجبر شارون على أن يحدث تحولا «دراماتيكيا» في سياساته العدوانية أو يجعل الفلسطينيين يرجعون عن كفاحهم ومقاومتهم أمام آلة البطش والعدوان الوحشي. ونطرح تساؤلا على بساط البحث: اذا كانت الولايات المتحدة لا تسعى الى التحرك بجدية في الشرق الأوسط فما الذي جعلها تقدم مشروع القرار الذي وافق عليه مجلس الأمن بالأغلبية ويقر حق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة علما بأن واشنطن أكثر من استخدم حق الفيتو (النقض) ضد أي قرارات مشابهة سابقة؟! في تقديري أن القرار الأخير لم يأت لوقف العدوان الاسرائيلي أو إجبار شارون على التخلي عن سياساته الدموية التي تستهدف تصفية وإبادة الشعب الفلسطيني الأعزل. إنما القرار الجديد الذي جاء بمثابة الملهاة وسط المأساة هو لتفويت الفرصة على أي مشروعات قرارات عملية تلزم اسرائيل بسحب قواتها وآلياتها العسكرية من مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفك الحصار على المخيمات والبلدات والقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة واطلاق سراح رئيس السلطة ياسر عرفات المحاصر بالدبابات الاسرائيلية في مقره بمدينة رام الله. والطريف أن القرار «الأمريكي الصنع» لم يحصل على أدنى اهتمام من قبل حكومة شارون التي نظرت اليه باستخفاف وهلل له العرب باستثناء سوريا التي امتنعت عن التصويت عليه لأنه قرار ضعيف لا يقدم حلا يخلص الشعب الفلسطيني من محنته التي فاقت كل حد، واستمرت طائرات ودبابات شارون «الأمريكية الصنع» أيضا تقتل الفلسطينيين. ويمكن القول أن الولايات المتحدة كعادتها قبيل أي مؤتمر قمة عربي تسعى لتشتيت الجهود العربية الجماعية فقد قامت بتوجيه الانتباه العربي نحو سقف معين من التحرك يجب ألا يتعداه العمل العربي المشترك، ومن ثم أرادت واشنطن أن تحدد نتائج القمة قبل أن تنعقد. ويذكرنا التاريخ القريب بعد اندلاع الانتفاضة في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000 بما بذله العرب من جهود حثيثة لعقد قمة عربية طارئة في القاهرة وقبل أيام من انعقادها الذي تأخر نسبيا دعت الولايات المتحدة الى عقد مؤتمر في منتجع شرم الشيخ للأطراف المعنية بهدف احتواء الموقف ووقف العنف. وكان واضحا منذ البداية أن التحرك الأمريكي لم يكن غير محاولة للتشويش على مؤتمر القمة وحمله على عدم اتخاذه موقف ايجابي ضد اسرائيل والاكتفاء ببيان مساندة وتضامن للفلسطينيين، وقد تم!! خلاصة القول.. إن سقف التحرك الأمريكي في الشرق الأوسط لن يتجاوز ما يتفق مع أهداف السياسة الأمريكية الحالية التي تحكمها عقدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر من جهة وما تقبل به اسرائيل من جهة أخرى. وما يمكن أن أراه أكثر أهمية من سقف التحرك الأمريكي في المنطقة على الأقل في ظل الأوضاع الحالية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني.. هو حدود العمل العربي الجماعي، وأحسب أن هذا الأمر مرتبط بفعل عربي حقيقي على المستويات كافة.. سياسيا واقتصاديا وعسكريا وفي النطاقين الاقليمي والدولي.. يستهدف تعرية وتجريد أسلحة الموقف الاسرائيلي ويقود الى اسقاط شارون والقصاص منه ومن ثم انقاذ الشعب الفلسطيني!! وبدون ذلك أخشى أن نقع فريسة أوهام ليس من ورائها طائل!! ـ كاتب واعلامي مصري