تغيرت المعادلة الاسرائيلية الفلسطينية، وتم كل ذلك في ظل حالة اخفاق اسرائيلي في الاراضي المحتلة. فبعد ان اخذ رئيس الوزراء شارون الضوء الاخضر لتجربة عنفوان قوة الجيش الاسرائيلي، وبعد ان حاول المرة تلو الاخرى اخضاع الفلسطينيين، تبين ان القوة العسكرية لم تؤت ثمارها، بل تحولت تلك القوة نحو حالة من العميان تضرب في كل اتجاه دون ان تعطي النتائج المطلوبة، وتحولت لقوة احراج للولايات المتحدة ولسياساتها الجديدة ضد الارهاب. في كل شيء انقلب الامر وبدأت الاجواء تتغير من اتجاه الى اخر. ومع ذلك فان الاجواء الجديدة لا تعني هزيمة الاحتلال فالمشكلة الاساسية مازالت قائمة: الاحتلال والمستوطنات، كما ان شارون مازال في الحكم، وفي الحالين يبقى الصراع في ابعاده العديدة قابلا للتفجير والانفجار. ان وجود الاحتلال سوف يبقى بؤرة تفجير لكل شيء، وسوف تكون عملية ضبط الوضع عملية صعبة. والأهم في كل ما جرى ان طبيعة النقاش في الساحة الامريكية قد بدأت تتغير. هذا لا يعني تحقيق توازن لصالح وجهة النظر العربية في الساحة الامريكية. لكن من الصعب عدم ملاحظة الاجواء الجديدة التي تأثرت بالقرار الدولي الجديد، وتأثرت بالتصريحات الرسمية الامريكية حول خطأ سياسة شارون. هناك بداية وعي امريكي جديد مرتبط اساسا بقوة الموقف الفلسطيني وجرأته، وهو مرتبط بوجود ارتباط بين احداث الحادي عشر من سبتمبر وما يحصل على صعيد القضية الفلسطينية، فهناك بداية وعي بأن الكراهية الكبيرة التي تحظى بها السياسة الامريكية في الشرق الاوسط مرتبطة بالقضية الفلسطينية بصورة كبيرة، وهذا امر سوف يكون من الصعب الاستمرار في تجاهله امريكيا. ومن علامات التغير في الساحة الامريكية التقارير الصحافية والتلفزيونية الامريكية القادمة من الاراضي الفلسطينية، اذ نجدها قد ازدادت قدرة على عكس الطابع الانساني للكارثة التي يواجهها الشعب الفلسطنيي تحت الاحتلال. لاول مرة تبرز قضية الاحتلال، وتبرز التجاوزات الاسرائيلية تجاه العرب بصفتها عاملا رئيسيا يؤدي للارهاب. لاول مرة لا تبدو القصة الاسرائيلية وكأنها قصة دولة ديمقراطية محاطة بالعرب الذين يسعون لتدميرها. ومن العناصر المفيدة للوضع الراهن ان مبادرة الامير عبدالله قد قدمت بعدا جديدا، فهي تعود وتؤكد امام الرأي العام الامريكي ان العرب على استعداد للتطبيع مع اسرائيل في حالة السلام الشامل والانسحاب الشامل. هذا البعد يقوض الافكار المسبقة المنتشرة في الساحة الامريكية والتي روجتها الدعاية المضادة للعرب والتي تقول «بأن العرب هدفهم رمي اسرائيل في البحر، وان ما تقوم به اسرائيل هو دفاع مشروع عن النفس». ومن عناصر المعادلة الجديدة بروز اصوات امريكية تجاه القضية الفلسطينية. ففي الايام الاخيرة كتب توماس فريدمان اكثر من مقال وضح من خلاله ضرورة ان تسعى اسرائيل باتجاه السلام، وانها في موقفها الراهن لن تساهم الا بتدمير نفسها. ان فريدمان الذي كتب بقوة منتقدا بشدة الكثير من القضايا في العالم العربي هو نفسه الذي عاد بعد زيارته الاخيرة للمملكة العربية السعودية وبعد مقابلته لولي العهد السعودي بانطباعات جديدة وتصورات اكثر تفهما لواقع العرب ومسببات مواقفهم السياسية. بشكل او باخر تبدو القضية الفلسطينية وقد اكتسبت بعدا جديدا. ان قوة الموقف العربي في فلسطين واضحة للعيان على الصعيد الدولي، وهي بدأت تخترق الساحة الامريكية وذلك بصفتها: قضية حق وقضية ارض واستقلال وطني. ولكن نقطة قوة اسرائيل التي تقوم على القوة المسلحة وقوة التدمير والتفوق العسكري هي الاخرى واضحة اليوم بأكثر مما كانت في السابق. في الايام الاخيرة تفوق الحق على القوة وتفوق منطق العدالة على المنطق العسكري. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت