القول بموت الديمقراطية قول قديم يعود إلى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت تردده بعض الأقلام المتمردة لمفكرين متمردين وجدوا أن الديمقراطية التي حلموا بها طويلا سرعان ما بدأت تفقد بريقها وتتجه نحو الموت، وهذا الموت في رأيهم نابع من التناقض بين شعارات تلك الديمقراطية وممارساتها في السيطرة الاقتصادية الغربية (أوروبا والولايات المتحدة) على باقي دول العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين، واحتكارها لأدوات الإنتاج وتكريس السياسة والقوة العسكرية لخدمة رأس المال، بغض النظر عن ممارسات رأس المال التي تتناقض مع الإنجازات الاجتماعية التي حصل عليها الفرد في المجتمعات الديمقراطية نتيجة لعوامل متعددة من بينها إبراز الجهد الفردي مقابل نكران هذا الفرد في الأنظمة الشمولية التي بلغت أوجها في الاتحاد السوفييتي السابق. كتب العديد من المفكرين الأوروبيين الذين كانوا يرون أن الإنجازات الاجتماعية في أوروبا الغربية لصالح الفرد لم تكن سوى رد فعل لمواجهة ما كان يتم إعلانه من إنجازات اجتماعية في الكتلة الشرقية، التي كانت تعيش في ظل «أنظمة شمولية»، وكأن الإنجازات الاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية كانت مرهونة ببروز إنجازات اكبر أو اقل في الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه، حتى أصبحت الإنجازات الاجتماعية تستخدم كسلاح في يد السياسيين الغربيين لمحاربة ما كان يسمى في فترة الحرب الباردة باسم «الخطر الشيوعي». لكن السياسيين، بل وحتى الطبقات الاجتماعية الأكثر حاجة للحفاظ على تلك الإنجازات الاجتماعية التي حققتها الرأسمالية نتيجة تنافسها مع النظام الشمولي لم تكن تلتفت إلى هؤلاء المفكرين المتمردين الذين كانوا يحذرون دائما من مغبة إهمال الشأن العام، والحفاظ على الرفاهية في المجتمع، ليس من منطلق الاقتناع بأهمية هذه الإنجازات، بل باعتبارها حقا لكل مواطن يقبل العيش في المجتمعات الديمقراطية. القناع الزائف بسقوط الاتحاد السوفييتي كشف الرأسمال عن وجهه الحقيقي، وظهرت الوجوه الحقيقية للعديد من السياسيين الذين كانوا يرتدون قناع العمل من اجل «الشأن العام» ليحصلوا على رضا الجماهير، بينما يعقدون صفقات «سرية» مع رأس المال لوضع المجتمع بكل قطاعاته في خدمة مصالح رأس المال، أي على عكس ما يعلنون. من هنا برز التناقض في مجال العمل السياسي في إطار الديمقراطية المفترض فيها قبول تعدد الآراء، لتصبح مهمة من يصل الحكم هي ازدراء الرأي المعارض أو الرأي المقابل، فالذين يصلون إلى كراسي الحكم ينظرون إلى المعارضين باعتبارهم معادين للنظام الديمقراطي نفسه، وليسوا جزءا منه كما تقرر الديمقراطية نفسها، لأن وجهة نظرهم مختلفة، واصبحوا يبحثون عن وسائل للبقاء بعيدا عن الجماهير من خلال الحواجز التي يبررون إقامتها تحت شعارات تحقيق الأمن، أو تفويت الفرصة على «الفوضويين» الذين لا هم لهم سوى العمل على «تقويض» دعائم المجتمع الديمقراطي، كما حدث خلال القمة الأوروبية التي انعقدت خلال الأسبوع الماضي في برشلونة والتي تم فيها عزل أماكن الاجتماعات وإقامة السياسيين عن الجماهير بسياج من الأسمنت المسلح، واكثر من ثمانية آلاف من رجال البوليس المسلحين تسليحا قويا، وكأنهم سيدخلون حربا ضد عدو قوى البأس، تدعمهم قوات بحرية وجوية تضم فرقاطات تمخر عباب البحر، وطائرات «اف 16» تجوب السماء، بل وطائرات «أواكس» التجسسية لمراقبة التحركات في كل اتجاه حول مكان انعقاد القمة. بل تعدى بعض الجالسين على كراسي الحكم في أوروبا الغربية كل ما كان يمكن أن ينتظر منهم كديمقراطيين عليهم واجب تقديم المثال في الممارسة الديمقراطية، وتحولوا إلى العمل على استعداء الجماهير ضد من يمثلون الرأي الآخر على اعتبار أن المعارضين «يخونون» المصالح العليا للوطن، وأن الحفاظ على تلك المصالح لا يتم إلا تحت وصايتهم، مما يذكرنا بالمنطق الذي يمارسه الحكام في الأنظمة الدكتاتورية بتخوين المعارض بدلا من الحوار معه!. كان الاستعداء يتم من خلال الخلط المتعمد بين رؤية الجماعات الرافضة للفكر الشمولي في الديمقراطية، وهم الكثرة الغالبة التي تجمهرت الأسبوع الماضي في برشلونة، ومن قبل في سياتل وجنوة، وبين الفوضويين الرافضين للنظام الرأسمالي لمجرد الرفض، أو الجماعات التي تمارس العنف كلما حانت لها الفرصة لذلك. السياسيون الغربيون الذين يجلسون على كراسي الحكم اليوم أصبحوا يتناقضون في ممارساتهم مع آرائهم التي كانوا يرفعون شعاراتها عندما كانوا في المعارضة، وأصبح همهم البقاء في الحكم أطول فترة ممكنة. اصبح الخطاب السياسي للديمقراطيين الذين يمارسون الحكم أشبه بالخطاب السياسي للنظم الشمولية التي كانوا يحاربونها من منطلق أنها أنظمة لا تقبل بوجود الرأي الآخر: من ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يقبل بما هو قائم يعتبر رافضا للنظام القائم كله، واعتبار أن ما هو قائم هو الممكن الوحيد فقط، وغيره باطل، لذلك يجب دعم «القائم» وتقوية دعائمه ليظل كما هو بلا تطوير ولا تبديل. فرص متناقصة يرى المراقبون أن مثل هذه المواقف لا تسعى إلى توسيع دائرة الممارسة الديمقراطية التي ضاقت خلال العقود الأخيرة حتى تحولت إلى «هامشية»، لا تحاول أن تعيد الحيوية إلى المشاركة الشعبية التي تناقصت في السنوات الأخيرة بشكل مثير للقلق حتى أصبحت نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات العامة في أكثر الدول ديمقراطية تقل عن نصف العدد الحقيقي الذي يملك ممارسة هذه الحقوق. في ظل هذا الخطاب الشمولي الجديد انعقدت القمة الأوروبية في برشلونة تحت شعارات متعددة تحقيقها واجب، في رأي المضيف خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء إسبانيا ورئيس الدورة الحالية، مهما كانت الصعاب، وهي صعاب لا تنتج من طبيعة إمكانية تحقيق تلك الشعارات لتتحول إلى إنجازات، بل تنتج تلك الصعاب من تناقضها مع الممارسة الديمقراطية نفسها. فيما يعلن الخبراء أنه لا يمكن تحقيق «فرص العمل الكامل» في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها اقتصادات أوروبا والتي ازدادت حدة نتيجة ما حدث في سبتمبر العام الماضي في نيويورك وواشنطون، تعلن القمة أن زعماء الحكومات الأوروبية الديمقراطية يضعون في أولوياتهم «حتمية» الوصول إلى تحقيق هذا الهدف من خلال قرارات وإجراءات مالية تمنح رأس المال الحرية الكاملة في ممارسة نشاطه، وأهم تلك الخطوات المطلوب الإقدام عليها لتحقيق هذا الهدف إلغاء قوانين العمل القائمة التي تحقق للعامل مزايا تعتبر من حقوقه الأساسية التي حصل عليها نتيجة نضال الطبقة العاملة خلال قرون، لأن إلغاء هذه المزايا يحقق -في رأيهم- مزيدا من الاستثمار، أي مزيدا من خلق فرص العمل. يغلف السياسيون هذه القرارات بشعارات يعرفون أنها صعبة التنفيذ، لأنه ثبت بالتجربة التاريخية أن منح رأس المال الحرية الكاملة في الحركة، وتحويل عقود العمل الدائمة إلى عقود عمل مؤقتة ضد الاستقرار المهني، ويفتح الأبواب أمام أصحاب الأعمال للتخلي عن واجباتهم تجاه المجتمع، بل يخلق نوعا من عدم الاستقرار بين العاملين ينعكس بالسلب على قدرتهم الإنتاجية وبالتالي على تحقيق «القدرة على المنافسة» المطلوبة للاستمرار. تبخر الاموال.. والآمال هذا الشعار نفسه الذي كان يعلنه، بمناسبة وبلا مناسبة، خوسيه ماريا ازنار رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي يتناقض تماما مع شعارات أخرى لها أولويات أيضا، لأنها تسعى للحفاظ على درجة الرفاهية التي حققتها المجتمعات الأوروبية لأفرادها حتى الآن، حتى أصبح المواطن يشعر بالحيرة نتيجة الخلط بين ما يمكن اعتباره إنجازا لصالح المواطن وما يصب سلبا في حياته، المواطن حائر بين قبوله لقرارات تمنح أصحاب الأعمال الحرية الكاملة التي تعني بالنسبة للعامل فقدانه لحق العمل المكفول في الدساتير الأوروبية الديمقراطية جميعا، وبين النتائج السلبية التي ثبتت بما لا يدع مجالا للشك ومن خلال تجارب شعوب مماثلة، لأن تحرير الاقتصاد لا يعني بالضرورة مزيدا من التوسع في الاستثمار، والتوسع في الاستثمار الرأسمالي لا يعني بالضرورة الحفاظ على «رفاهية» المجتمع، بل ان تحرير بعض القطاعات الاقتصادية كانت نتيجتها سلبية على الفرد والمجتمع، وتجارب تحرير قطاعات إنتاج وتوزيع الطاقة كانت نتيجتها الظلام الدامس والمتكرر في الولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا، وأدت إلى كوارث حقيقية. وأثبتت «فضيحة انرون» أكذوبة إمكانية تحقيق الاستقرار المالي للعامل بعد التقاعد من خلال اعتماده على «تأمين اجتماعي» خاص، فالأموال التي تبخرت في تلك الشركة الأمريكية أخذت معها مدخرات عشرات الآلاف من الحالمين بحياة مستقرة بعد التقاعد. لم تكن فضيحة «أنرون» الوحيدة التي شهدها العالم الرأسمالي خلال السنوات الأخيرة، بل حدث مثلها في العديد من الدول الأوروبية، والدول التابعة والتي تدور في فلكها، في حالة الأرجنتين مثلا لم يكن اقتصاد تلك الدولة الضحية الوحيدة الناتجة عن التحرير الكامل للاقتصاد، بل ضاعت أيضا أموال «التأمينات الخاصة» لعدد ضخم من العاملين في دول رأسمالية كالولايات المتحدة، لأن معظم تلك الأموال تستثمرها الشركات المؤمنة في دول خارج الدول الغربية نفسها بحثا عن أرباح أكبر. من ناحية أخرى فإن الأهداف الرئيسية التي حاولت أن تحققها قمة برشلونة تقف دونها عقبات تفرضها واقعية بعض السياسيين، مثل موقف فرنسا وألمانيا نظرا لاقتراب موعد الانتخابات العامة فيهما، والموافقة على ما يؤثر سلبا في رفاهية الفرد يعني خسارة «أصوات» الناخبين، وبالتالي خسارة السباق إلى كرسي الحكم. لكن من المؤكد أن من يعتلي الحكم بعد الانتخابات لديه الفرصة لأربع سنوات كاملة لتقديم المصالح الاقتصادية على أي مصالح أخرى، حتى لو كانت ضد مصالح الجماهير التي منحتهم الثقة، وطوال تلك السنوات وحتى تحين الانتخابات المقبلة يمكن للحزب الحاكم أن «يتمترس» خلف الدبابات والفرقاطات وطائرات الأواكس والطائرات المقاتلة. هل يمكننا العودة إلى مقولة «موت الديمقراطية»؟. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا