يتجدد حضوره كل عام، محملاً بعبق الكرامة العربية، ونسائم زمن صعودنا القومي، ليغسل بندى أغنياته وجوهاً تاهت معالمها، وكادت تفقد ملامح عروبتها، ويُرطّب قلوبنا وكادت تتجمد مشاعرها تحت وطأة الاغتراب داخل حدود الوطن، ويعيد بأدائه الجميل البسيط للحياة أفراحها، وللكلمات قدسيتها وبراءتها، بعد أن يطهرها من دنس العابثين بزعيق حناجرهم، وكأنها أبواق لطبل أجوف. كل عام، نتذكر مع ذكرى رحيل الفنان عبدالحليم حافظ، زمن المد القومي، وسطوع نجم التحرر والإرادة وانتصارها على سطوة القوى الأجنبية، والتبشير بعالم إنساني يستنطق الأرض، ويُخضّر الصحراء، ويحلق بالروح في فضاء الوطن الواحد بخليجه ومحيطه. وكلما تباعد زمن عبدالحليم حافظ، كلما تجددت أصالته، وتوثقت مصداقيته، فهو لم يكن مجرد مطرب يسعى للشهرة، والنجومية، والثروة، وإن تحقق له كل ذلك، عرضاً، على ضفاف مشروعه الفني الأصيل، وعبر مشوار صعود، كان أشبه بالنحت في الصخر، لفتى مسكون بطموح يتجاوز كل الأجواء المحيطة بنشأته، والمعاكسة له، أقلها حالة اليتم والفقر التي وضعه القدر في قلبها، وفوق ذلك الوسط الريفي المحروم من الحد الأدنى للثقافة والفنون، ومع ذلك يبدع ألواناً ثرية وبسيطة من الإشباع الفني الشعبي، بأغنيات الحقل والحصاد، والعرس، والمدائح والتواشيح الدينية. وستبقى رحلة صعود نجم عبدالحليم حافظ، شاهداً على زمن مشبوب بروح الثورة، يُفجّر أفضل ما في كوامن أبنائه، فاتحاً أمامهم الطريق لتحقيق الذات، وصقل مواهبهم وقدراتهم، مانحاً إياهم المناعة ضد الإفساد، طالما بقي شيطان الفساد حبيساً في القمقم، وبقي الناس آمنين من خطايا اغتيال الحلم، ووأد الطموح، وانكسار الروح، أمام سطوة النفوذ والمال والسلطة. وأندر ما في قصة صعود وتكوين نجومية عبدالحليم حافظ، كمطرب أول، وناطق فني باسم الثورة العربية في عنفوانها وانكسارها وصمودها، هي تلك القيمة التي تلاشت في زماننا، ففي زمانه كان هناك كوكبة وكتيبة من المفكرين والأدباء والإعلاميين، حمّلوا أنفسهم عبء استكشاف المواهب الجديدة، واحتضانها والسهر على صقلها وتثقيفها، والدعاية لها، ووضعها على منصة الإبداع، دونما انتظار مقابل، وبموضوعية تدهش كل من يعيش زمن «النقاد الملاكي» والصحفي المأجور لجهة أو لفنان بصرف النظر عن قيمته، فقط من أجل العائد والمنفعة الشخصية. ووسط أجواء كتيبة الدفاع عن عقل وفن وذوق الوطن، صعد نجم العندليب الأسمر، وهو مسلح بذائقة فنية، تجنبه السقوط في فخ الانتشار على حساب القيمة، أو أن تتردد على لسانه كلمة تفتقر لمعنى جميل، أو تثير فكرة، بل كان نجاحه مرهوناً بأجمل الأشعار التي فاضت بها بحور مبدعين، حلّقوا معه في سماء زمن الثورة، والرومانسية والحلم، وأطهر عواطف الحب والوطنية. لهذا، لا يمكن أن نتذكر زمن عبدالحليم حافظ، وغناءه الجميل للوطن، والكرامة والعروبة والوحدة، إلا وتذكرنا معه قيم ذلك الزمان وأبطاله ونجومه، وكيف كانت الكلمة تعانق الفعل، وليست بديلاً عنه، وكان المثقفون لم يعرفوا بعد التصالح والتحالف مع أمراض التدجين الطوعي، وإدمان التبرير والدعائية... رحم الله عبدالحليم حافظ، وأفاض على زمننا ببعض من نفحات زمانه.