كانت السبعينيات جنة صلاح عبدالصبور التي اختلطت بجحيمه، أو ـ بعبارة أدق ـ سنوات جحيمه التي لم تكف عن قصف جنته الى أن محتها من الوجود. إذا كانت الخمسينيات شهدت تشكل شعرية صلاح عبدالصبور، في ظهورها الواعد، وشهدت ظهور ديوانه الأول (أحلام الفارس القديم) سنة 1957 بعد سنوات خمس من النشر، وشهدت بداية ذيوع صيته بوصفه أحد الفرسان الذين انضموا الى ريادة الشعر الحر، فإن الستينيات أتاحت لهذا الفارس مدى فسيحا من الانطلاق الخلاق، فأصدر دواوين ثلاثة (أقول لكم 1961، أحلام الفارس القديم 1964، تأملات في زمن جريح 1969) كما أصدر ثلاث مسرحيات شعرية (مأساة الحلاج 1964، مسافر ليل 1969، ليلى والمجنون 1969) وكان واضحا ان كارثة العام السابع والستين لم تفض الى البوار، ومن ثم الصمت العقيم، وانما افضت الى التمرد أو الغضب الذي توقد بالابداع الشعري، وأضاف الى آفاقه. وجاءت السبعينيات بالمزيد من التحقيق الابداعي، وتكررت عروض المسرح الشعري، فشهد الجمهور على خشبة المسرح (مسافر ليل) و(ليلى والمجنون) كما شهد (الأميرة تنتظر) التي نشرت سنة 1970، و(بعد أن يموت الملك) التي صدرت سنة 1973، وعرضت سنة 1974، وبعد صمت طويل لخمس سنوات صدر (الابحار في الذاكرة) سنة 1979 وفي موازاة سبعة كتب ظهرت في الستينيات (أفكار قومية 1960، وأصوات العصر 1960، وماذا يبقى منهم للتاريخ 1961، وحتى نقهر الموت 1966، وقراءة جديدة لشعرنا القديم 1968، وحياتي في الشعر 1969، وعلي محمود طه 1969) ظهرت ستة كتب في السبعينيات (وتبقى الكلمة 1970، ورحلة على الورق 1971، ومدينة العشق والحكمة 1972، وقصة الضمير المصري الحديث 1972، والنساء حين يتحطمن 1978). وكان هذا النتاج الوفير يفسح لصاحبه مكانة كبيرة على امتداد الثقافة العربية، وهي مكانة لم ينتقص من حضورها الحقيقي المجادلات الثقافية التي خاضها صلاح عبدالصبور، أو خاضها الآخرون ضده، فقد ثبتت اقدامه بوصفه مثقفا متميزا على يسار الفكر الليبرالي، وكاتبا مبدعا لا نظير له في المسرح الشعري، وشاعرا رائدا لا يقل أهمية عن أقرانه الرواد، خصوصا الذين اختلف مع بعضهم على صفحات مجلة (الآداب) في الخمسينيات كما فعل مع السياب وسعدي يوسف. وأضاف الى ذلك كله الحضور النقدي الذي ارتبط بممارسات نقدية متعددة الأبعاد، ضمت الكثير منها الكتب العديدة التي ظهرت قبل السبعينيات وخلالها. ولكن هذه السبعينيات من ناحية مقابلة لم تكن منطوية على تحقق الوعود الايجابية وحدها، خصوصا في ثنايا استبدالها الاحلام بالكوابيس، وبالتمزق القومي والتشرذم الوطني وعودة الوحدة القومية والاستقلال الوطني. ولذلك اختلف العالم الذي عاشه صلاح عبدالصبور مع السبعينيات، مع وفاة عبدالناصر وتولي السادات، أو مع انتهاء زمن وبداية زمن آخر مضاد، زمن مضت فيه مصر الساداتية في محاولات طمس المشروع الناصري، واستبدلت بشعارات الاشتراكية والوحدة شعارات الانفتاح الاقتصادي، والمصالح الاقليمية، وبالتحرر الوطني والكبرياء القومي السلام الاقليمي والانكسار القومي، كما استبدلت بأخلاق المدينة أخلاق القرية، وبزعيم الأمة رب الاسرة الذي جعل للقانون أنيابا وبراثن. هكذا، كانت السبعينيات جحيم صلاح عبدالصبور وصليبه بأكثر من معنى، فقد حملت في بداياتها مرارة هزيمة العام السابع والستين التي ظل الوعي مهووسا بها، مضطرا الى مراجعة كل شيء من منظور القاتم وشهد مطلعها اثار الانقسام التي خلفها قبول عبدالناصر لخطة روجر (وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت) لتحقيق السلام بين العرب واسرائيل، وهو الانقسام الذي تصاعد مع قبول عبدالناصر في سبتمبر 1970، قبيل وفاته، وقف اطلاق النار بين مصر واسرائيل حسب خطة روجر. وكان ذلك بعد نهاية الحرب الأهلية من اليمن الشمالي وتوقيع الاتفاقية السعودية اليمنية في مارس 1970، وتصاعد عنف الغارات الاسرائيلية في عمق الاراضي المصرية في الشهر نفسه. وتصاعدت المتغيرات السلبية مع مايو 1971، حين أطاح السادات بنفوذ الناصريين، وأتبع ذلك بطرد الخبراء السوفييت من مصر في يوليو 1973. وكان ذلك قبل أشهر من الانقلاب العسكري الذي دعمته الولايات المتحدة للاحاطة بحكم سلفادور الليندي المنتخب انتخابا حرا في خريف 1970. ولم تفلح حرب أكتوبر في ايقاف التداعيات السلبية التي تحولت الى انقسام حاد بين المثقفين العرب، وهي تداعيات انطلقت مع توقيع أول اتفاقيات فصل القوات بين مصر واسرائيل في يناير سنة 1974، وصدر قانون الانفتاح الاقتصادي في يوليو 1974. واستمرت هذه التداعيات في الأعوام اللاحقة الى أن قاربت ذروتها مع ثورة الخبز في مصر (تلك التي أطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية) في يناير 1977، في موازاة انقلاب محمد ضياء الحق في باكستان في يونيو 1977 ووصلت الى ذروتها مع زيارة السادات للقدس في نوفمبر سنة 1977. وتبع ذلك الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني في مارس 1978، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين السادات وبيجين ووساطة كارتر في سبتمبر من العام نفسه، وكان من نتيجة ذلك في يناير سنة 1979. وكان ذلك في العام نفسه الذي قامت جماعة جهيمان العتيبي باحتلال المسجد الحرام في مكة في شهر نوفمبر، قبل شهر واحد من التدخل العسكري السوفييتي في افغانستان. ولم يأت عام 1980 بما يبعث على التفاؤل فقد أعلن الرئيس الأمريكي كارتر حق استعمال القوة في حالة تهديد أمن الخليج في يناير 1980، وبداية الحرب العراقية الايرانية التي استمرت من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988. هذا السياق السياسي كان يوازيه سباق ثقافي، شهد تراجع المد الناصري والقومي واليساري بوجه عام في الثقافة المصرية، ومن ثم صعود التيارات المحافظة لليسار تقليديا، والتي تولت مطاردة بقاياه في أجهزة الاعلام والمؤسسات الثقافية المختلفة. وكان ايقاف مجلة (الطليعة) اليسارية في فبراير سنة 1977، وفي أعقاب ثورة الخبز، وبسبب ما كتبه رئيس تحريرها عن تفسير هذه الثورة، الذروة التي سبقتها أحداث عديدة منها التخلص من هيئة تحرير مجلة (الكاتب) اليسارية، سنة 1975، ووضع صلاح عبدالصبور رئيسا لتحريرها في عهدها الجديد، بعد أحمد عباس صالح رئيس التحرير الذي لم يتوافق مع سياسات يوسف السباعي المسئول عن الثقافة في ذلك الوقت، والمعروف بعدائه لليسار. وكان تعيين صلاح عبدالصبور ذرا للرماد في العيون، الأمر الذي اثار حملة عداء عنيفة، غير منصفة، ضد صلاح عبدالصبور، حملة تولت مجلة (الطليعة) دورا قويا فيها، عندما نشرت بيانا بالغ القسوة ضد صلاح عبدالصبور، أسهم في صياغته الشاعر محمد عفيفي مطر الذي خلط بين الذاتي والموضوعي في حملته التي لم تتوقف ضد صلاح عبدالصبور. وكان ما حدث لمجلة (الكاتب) ثم (الطليعة) جانبا من عملية تصفية المنابر الناصرية والقومية واليسارية، وصياغة منابر جديدة لرموز اليمين الثقافي التي تحالفت مع السادات، وكانت أدواته في الثأر من مصر الناصرية ومحاولة تصفيتها. ولحقت مجلتا (الكاتب) و(الطليعة) - في هذا السياق ـ بمجلة (سنابل) التي كان يصدرها محمد عفيفي مطر تحت رعاية ابراهيم بغدادي محافظ كفر الشيخ الذي أغلقها بإيعاز من يوسف السباعي، خصوصا بعد أن نشرت (سنابل) قصيدة أمل دنقل (الكعكة الحجرية) عن مظاهرات الطلاب ضد نظام الحكم الساداتي سنة 1972. وبقدر ما كان ذلك دافعا للسادات على اغلاق المنابر الاعلامية المعادية أو المخالفة أو المستقلة، ومن ثم التحالف مع خصوم الناصرية واعدائها التقليديين، كان هذا الموقف من النظام الساداتي دافعا للشباب على خلق وسائط اعلامية جديدة، فكانت مجلات (الماستر) التي ظهر منها (اضاءة) و(كتابات) و(خطوة) و(مصرية) وغيرها من مجلات التجمعات الشابة المتمردة على نظام السادات، وكل من ارتبط بمؤسساته الثقافية، وكل من تعاون مع يوسف السباعي ووافق على العمل معه. ولذلك كان ما حدث من هجوم على صلاح عبدالصبور لقبول رئاسة تحرير (الكاتب) اليسارية موازيا لما حدث من هجوم عليه لاستمراره في عمله في الهيئة المصرية العامة للكتاب، معاونا لسهير القلماوي التي رأست الهيئة لسنوات، جاء بعدها الشنيطي الذي سرعان ما ترك مكانه لشغله صلاح عبدالصبور الذي ظل رئيسا للهيئة الى وفاته. وكان من سوء حظه أنه شهد أولى محاولات التطبيع الثقافي، واشتراك اسرائيل للمرة الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الأمر الذي أثار الجميع، ودفع المدافعين عن الثقافة الوطنية الى التظاهر في المعرض نفسه، احتجاجا على وجود جناح لإسرائيل. وانهيت المظاهرات بالقوة، وقبض على عدد غير قليل من المتظاهرين. ولم يستطع صلاح عبدالصبور فعل شيء سوى محاولة التوسط بين الحكومة المصرة على قمع مقاومي التطبيع ومقاومي التطبيع الذي رفضوا وساطته، فوقع بين سندان الدولة التي كانت تريد استغلال مكانته، ومطرقة المثقفين الراديكاليين الذين صلبوه بألسنة حداد.