كانت الدول العربية ساذجة لاعتقادها ان مشروع الشراكة مع دول الاتحاد الاوروبي سوف يكون مناسبة عليها ان تستغلها للمشاركة في الترتيبات الدولية الجديدة خاصة ان الدول العربية كانت بحاجة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، الى مظلة دولية وسند لها في عملية السلام في الشرق الاوسط لإحداث نوع من التوازن الاستراتيجي في المفاوضات العربية الاسرائيلية. وكانت الدول العربية تعرف ان اسرائيل تلقى مساندة من الولايات المتحدة الامريكية في مفاوضات السلام التي انطلقت بعقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط عام 1991 مباشرة بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، لاجل ذلك طالبت الدول العربية دول الاتحاد الاوروبي، بان يكون لها دور في عملية السلام في الشرق الاوسط. علاوة على ذلك اعتقدت الدول العربية انها سوف تستفيد من الشراكة لحل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية خاصة بعد تلقيها وعودا اوروبية بالمساعدة على حل مشكلاتها الاقتصادية للتكيف مع التحولات الاقتصادية الدولية، الا ان هذه الوعود لم تتحقق للدول العربية المتوسطية باستثناء بعض المساعدات المالية التي قدمها البنك الاوروبي للاستثمار. لقد كانت دوافع الدول الاوروبية من مشروع الشراكة هي احتواء المنطقة العربية واخضاعها للادارة الاوروبية بمعنى آخر ان تتحول الدول العربية تحت غطاء الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية الى دول تابعة لادارة الاتحاد الاوروبي سياسيا واقتصاديا وامنيا، فالدول الاوروبية (وبالاخص فرنسا) لم تنس انها كانت تحتل المنطقة العربية المتوسطية وتعتقد ان المشروع الاوروبي المتوسطي سيعيدها الى المنطقة مجددا، وقد اشارت وثيقة ماستريخت ضمنيا الى رغبة اوروبا في احتواء المنطقة المتوسطية عندما مزجت الأمن الاوروبي بالأمن المتوسطي ويعني ذلك ان المصالح الاوروبية لا تتوقف عند المنطقة الاوروبية وحدها بل ان هذه المصالح تمتد لتشمل المنطقة المتوسطية كلها التي تشكل المنطقة العربية المتوسطية وعلى وجه الخصوص منطقة المغرب العربي الجزء الاكبر منها. الشراكة الناقصة فهذه المنطقة تتوافر على اسواق مهمة للاقتصاد الاوروبي، لذلك حرصت الدول الاوروبية على انتقاء الدول العربية التي رأت انها تخدم مصالحها المباشرة في مقابل ذلك استبعدت الدول العربية التي رأت انها تشكل تهديدا لمصالحها كما هو الحال مع ليبيا. يكفي الاشارة الى ان الدول الاوروبية كانت تصر خلال جولات الحوار مع الدول العربية على ان تبدأ الشراكة باقامة منطقة تجارة حرة للسلع المصنعة وتكون مستكملة بحلول عام 2010 وهذا الاصرار يعكس مصلحة الاتحاد الاوروبي الاقتصادية على احتواء الاسواق العربية المتوسطية. ويمكن القول ان الدول الاوروبية المتوسطية، قد جزأت الدول العربية المتوسطية الى مناطق متباعدة المصالح والانتماءات واصبحت نظرتها الى المنطقة العربية تقوم على افتراض ان هذه المنطقة تنقسم الى فضاءين: الفضاء المغاربي والفضاء الشرق اوسطي. اما سبب هذا التقسيم فمرده ان الدول الاوروبية لا تريد ان تشارك الدول العربية في مشروع الشراكة ككتلة عربية واحدة خوفا على مصالحها لان مشاركة الدول العربية جماعيا يمكن برأي الدول الاوروبية ان يهدد جولات الحوار حول الشراكة لان الدول العربية سوف تطالب الدول الاوروبية بتنفيذ الوعود التي قطعتها امامها والتي من ضمنها انها سوف تقف الى صفها في قضية الشرق الاوسط. علاوة على ذلك كانت جميع المبادرات التي مهدت للمشروع الاوروبي المتوسطي منذ بدايات الحوار الاوروبي العربي مبادرات اوروبية بينما كان الطرف العربي هو المتلقي دائما بمعنى ان الصياغات الاولى لهذه المبادرات كانت تتم حسب رؤى ومصالح الدول الاوروبية، كما ان الخوف من خسارة الاسواق العربية كانت وراء كل التحركات الاوروبية لاحياء الحوار الاوروبي ـ العربي اما الجانب السياسي فكان يأتي دائما في آخر اهتمامات الدول الاوروبية وهذا ما يمكن ملاحظته من الموقف الاوروبي من عملية السلام في الشرق الاوسط فالدور الاوروبي لم يرق الى مستوى الشراكة التي من بين اسسها التعاون والتنسيق لمواجهة التحديات، الا ان الدول الاوروبية لم تعمل بذلك ولا بما جاء في وثيقة ماستريخت التي نظرت الى امن المتوسط على انه يتبع الامن الاوروبي . وفي هذه الحالة كان على الدول الاوروبية ان تتخذ مبادرة من عملية السلام على اساس ان مشروع الشراكة الذي طرح في مؤتمر برشلونة يعطيها حق التدخل والمشاركة في عملية السلام في الشرق الاوسط لان امن الشرق الاوسط يعنيها بالدرجة الاولى كما يعني الولايات المتحدة الامريكية. الا ان مثل هذه المبادرات لم تتخذها الدول الاوروبية رغم طلبات الدول العربية وهذا مايؤكد ان ماكانت ترمي اليه من المشروع ليس مصالح أمن دول المنطقة بل مصالحها المباشرة، فسارعت مثلا الى اتخاذ مبادرات لحل النزاع في كوسوفو لانها وجدت ان النزاع يهدد امنها لان منطقة البلقان تقترب من المجال الاوروبي (جنوب اوروبا). علاوة على ذلك فان الدول الاوروبية كانت تتخوف من احتمال توسع النزاع الى الدول الاوروبية حيث تعيش اقليات وعرقيات يمكن ان تطالب بالانفصال، وإضافة الى محاولة الطرف الاوروبي التقليل من أهمية البعد السياسي للحوارات والاتفاقات مع الدول العربية المتوسطية، نلاحظ ان هناك تغييباً لمسألة ضباط التسلح في المنطقة، ففي حين يطالب الأوروبيون بتجنب القدرات العسكرية التي تتجاوز الاحتياجات المشروعة للدفاع، إلا انهم لا يحددون حدوداً لهذه الحاجة المشروعة ولا يضعون معياراً لمشروعيتها عندما يجري الحديث عن التسلح النووي الإسرائيلي، فالشراكة في التصور الأوروبي معناها ان تحدد الدول العربية سقفاً محدداً لمنظومتها الدفاعية وتقلل من الإنفاق العسكري. بل أكثر من ذلك طالبت الدول الاوروبية الدول العربية بالكشف عن اسلحتها كلها وهذا الاجراء ترمي الدول الأوروبية من ورائه الى إبقاء اسرائيل متفوقة على العرب عسكرياً. يقول الرئيس المصري حسني مبارك: إن العرب لا يهددون السلام العالمي كما يعتقد البعض لأن اسلحتنا خاضعة للمراقبة الدولية فنحن نشتريها من الغرب بينما اسرائيل تجري تجارب نووية ولا أحد يقول لها لماذا تفعلين ذلك فكان على المجموعة الأوروبية ان تضغط على اسرائيل التي تهدد السلام الاقليمي والدولي. أوروبا ومحدودية الدور لكن محدودية التأثير الاوروبية في عملية السلام وعجز الدول الأوروبية عن مواجهة الولايات المتحدة كانت من بين الاسباب المباشرة التي جعلت الدول الاوروبية تتحفظ على مطالبة اسرائيل بالحد من التسلح. كما ان من بين الاسباب كذلك النظرة الأوروبية الى الصراع التي تميل لصالح الطرف الاسرائيلي بشكل عام. علاوة على ذلك فإن الدول الاوروبية ربطت مسألة تخفيض نفقات التسلح العربي بالمساعدات المالية والاقتصادية التي تتلقاها الدول العربية من الدول الأوروبية، وهذا الاجراء سوف يضر، من الناحية العسكرية بالمصالح العسكرية للدول العربية، إذ ان الدول العربية سوف تبقى تعاني عجزاً عسكرياً وفي مقابل ذلك تتلقى اسرائيل دعماً لا محدوداً من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية على حد سواء. بمعنى آخر ان مشروع الشراكة سوف يحد من القدرات الدفاعية للدول العربية المتوسطية، وهذا ليس في مصلحة الدول العربية عسكرياً وأمنياً خاصة في ظل التعنت الإسرائيلي ورفضه تنفيذ اتفاقات السلام التي وقع عليها. من هنا سوف تجد الدول العربية نفسها أمام رهان خطير فالمشروع الأوروبي المتوسطي لا يحقق لها مطالبها السياسية (الدعم السياسي الأوروبي) ومن جهة أخرى فإن المشروع سوف يحتوي قدراتها الدفاعية ولن يكون أمامها خيار آخر سوى قبول الطلب الأوروبي بتخفيض نفقاتها الدفاعية لأنها تحتاج إلى دعم مالي واقتصادي وفي الحالتين فإن إسرائيل التي تعد هي الأخرى عضواً في الشراكة سوف تستفيد من مطالب الدول الأوروبية. وفي مقابل ذلك فإن الدول الأوروبية سوف تستفيد عسكرياً وأمنياً على حساب الدول العربية فسوف تتضاعف قدراتها الدفاعية اذا نجحت في تجسيد مشاريعها العسكرية والأمنية مثلاً سوف تتمتع قوات التدخل السريع بقدرات عسكرية عالية، بمعنى آخر ان هذه القوات في حالة انشائها طبقاً لاتفاقية برشلونة سوف يكون لها الحق للتدخل في المنطقة العربية المتوسطية اذا ما حدثت مشكلات داخلية على شاكلة الأزمة الجزائرية بدليل ان العديد من الأصوات في المفوضية الأوروبية طالبت بالاستقرار في الجزائر، وهذا الاجراء ترفضه الدول العربية أولها الجزائر التي أعلنت رفضها للتدخل الأوروبي والدولي في شئونها الداخلية. إلا أن بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا واسبانيا تنتظر الفرصة المناسبة التي تسمح لها بالتدخل في هذه المنطقة لكنها ترغب في ان تكون المبادرة في اطار الشراكة المتوسطية، لذلك لاحظنا ان الدول الأوروبية كانت تصر على اشراك الدول العربية في المشاريع الأمنية لكي يكون لها الحق في تأسيس شراكة أمنية وهذا ما ترمي إليه الدول الأوروبية من أن تكون قريبة من المجال الأمني والعسكري للدول العربية المتوسطية لكي تضع أيديها على المنطقة من جهة وتقطع الطريق على الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. ـ كاتب جزائري