«لماذا يسمح الاتحاد الأوروبي لدولة مسلمة بأن تصبح أكبر عضو فيه وبالتالي تمتد حدوده الى دول مثل ايران والعراق. ان الاتحاد الاوروبي لن يسمح اطلاقا بدخول تركيا. انهم يريدون ان نبقى منطقة حاجزة بينهم وبين القذارة»! القول للبروفيسور حسن يونال استاذ العلوم السياسية في جامعة بلكنت التركية. ومشكلة تركيا هي مشكلة الغراب الذي اراد ان يكون طاووسا فلم يقبله مجتمع الطواويس بعد ان تخلى عن انتمائه الى مجتمع الغربان. او قل انها مشكلة من يدفع الثمن مقدما نظير سلعة ما.. فلا يحصل على السلعة ولا يسترد ماله. لمدى ما يقارب نصف قرن ظلت تركيا تكافح من اجل الانضمام الى الأسرة الاوروبية كعضو معترف به دون جدوى. وفي هذه الاثناء، منذ مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي تطور التضامن بين بلدان اوروبا الغربية من «السوق الاوروبية» المشتركة كتجمع اقتصادي الى «الاتحاد الاوروبي» كتجمع مكتمل الجوانب. وأقصى ما استطاعت تركيا الحصول عليه حتى الان هو اعتمادها كدولة «مرشحة رسميا» منذ عام 1999. ومنذ ذلك الحين لايزال الحكام الاتراك يكافحون للانتقال من مرحلة الترشيح الى مرحلة العضوية. لكن الشروط التي يضعها الاتحاد الاوروبي لقبول تركيا نهائيا تبدو كعوائق متعمدة. الشرطان الاوروبيان الأساسيان هما: اولا، ان تحقق تركيا تحولا ديمقراطيا كاملا على غرار النموذج الاوروبي بما يعني بالضرورة، اولا، إبعاد الجيش عن الحكم، وثانيا الغاء كل القوانين المقيدة للحريات السياسية. والشرط الثاني هو الاعتراف بحقوق الاقلية الكردية بما في ذلك الاقرار بخصوصيتها الثقافية. إنهما بالمعايير التركية شرطان مستحيلان. فليس من المتصور على الاطلاق ان يتخلى الجنرالات عن الحكم طوعا.. فعلى مدى عقود لم يعد من الممكن الفصل بين مؤسسة الحكم والمؤسسة العسكرية. اما فيما يتعلق بالاقلية الكردية فان هناك تخوفا تركيا اجماعياً بأن اي اعتراف تركي بالخصوصية الثقافية الكردية سوف يكون خطوة اولى على طريق انفصال المنطقة الكردية في الجنوب الشرقي عن الوطن الأم. لكن هل عدم وفاء تركيا بهذين الشرطين هو السبب الحقيقي الذي يحول دون دخول تركيا عضوية «الاتحاد الاوروبي»؟ ان «الاتحاد الاوروبي» هو بالضرورة نادٍ مسيحي وبهذه الهوية المسيحية الجماعية المشتركة ليس من المتصور ان تقبل الدول الاعضاء انضمام دولة تضم 70 مليون مسلم. ويقول البروفيسور حسن يونال انه بينما يتناقص عدد السكان في دول اوروبا، فان عدد سكان تركيا المسلمين سوف يبلغ في بحر عشرين عاما نحو 85 مليونا. بالطبع ليس بوسع القادة الاوروبيين ان يقولوا علنا ان اختلاف العقيدة الدينية هو السبب الحقيقي لاعتراضهم على دخول تركيا عضوية النادي الاوروبي المسيحي دون ان يتعرضوا لاتهامات التمييز. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد. فالدول الاوروبية ليست جادة حتى في مطالبتها بابعاد العسكريين الاتراك عن الحكم وبالتالي الغاء القيود المقيدة للحريات. فمن يتولى مهمة قمع التيار الاسلامي المتنامى في تركيا؟ ان المستفيد الاكبر من ديمقراطية كاملة في تركيا تضمن الحريات السياسية وقضاء مستقلا هم الجماعات الاسلامية السياسية التي تفرض وجودها الان حتى في ظل سيطرة الجنرالات على السلطة. وبعد فان الجنرالات يمارسون الحكم باسم المحافظة على «العلمانية الأتاتوركية».. أي تحجيم الاسلام كمنهج للسلوك الاجتماعي والسياسي على مستوى الافراد والجماعات معا. ومما يفضح حقيقة الرؤية الاوروبية انه بينما يُرفض لتركيا الانضمام الى «الاتحاد الاوروبي» كعضو، فان أحدا لم يعترض على دخولها عضوية الحلف الاطلسي «ناتو» الذي يجمع الدول الاوروبية مع الولايات المتحدة. وهكذا تبقى تركيا دولة موزعة الهوية لحين اشعار آخر. احمد عمرابي