في مستهل عام 2001، فوجئ المراقبون والمحللون الذين يتابعون أعمال لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الانسان ـ بأن اللجنة الدولية المذكورة أصدرت اعلانا، تؤكد فيه أحد الأبعاد المستجدة تماما في قضايا حقوق الانسان. وكم درج الناس.. الدارسون والمختصون والمواطنون العاديون على السواء على قراءة حقوق الانسان من منظور الحقوق السياسية وفي مقدمتها طبعا حق التعبير وحق النشر وحق تكوين الجمعيات والاتحادات والنقابات.. وحق الحركة والتنقل بغير قيود الى آخر ما يحفل به العهد الدولي الخاص بحقوق الانسان المدنية والسياسية الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200 في 16 ديسمبر عام 1966. وكان قد سبق هذه الوثيقة الجوهرية في عصرنا ـ وبالتاريخ نفسه ـ صدور العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية الذي أوجز حقوق الانسان في هذا المضمار في مادته الحادية عشرة وتنص على ما يلي: «تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشة كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية». العهدان الدوليان نقول أن الناس درجوا على استخدام هذا المنظور ذي الأبعاد السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية في الاطلالة على هذا الجانب أو ذاك من جوانب حقوق الانسان.. وقد صدر العهدان الدوليان على نحو ما أسلفنا في عقد الستينيات الذي شهد ـ كما تعرف ـ ذروة حركات التحرر والاستقلال واشتداد ساعد المطالبة بانعتاق البشر من أغلال الاستعمار وسيطرة الامبريالية.. وحددت أركان المجتمع الدولي وقتها عام 1976 موعدا تم الوفاء به لوضع العهدين الدوليين.. ومن ثم وضع حقوق الانسان السياسية وغير السياسية موضع التنفيذ. وعندما جاء عقد الثمانينيات أضيف الى هذه الحقوق الانسانية بعد جديد هو:الحق في التنمية.ويرجع الفضل في تصورنا الى جهود مجموعة دول عدم الانحياز وبالذات والى زعيمة الهند الراحلة السيدة أنديرا غاندي في اضافة وادراج هذا الحق الانمائي في صلب منظومة حقوق الانسان. ولأن هذه المنظومة تتغير طبقا لنواميس التغير وفي ضوء الظروف المستجدة باستمرار على المشهد الدولي بكل أبعاده وتعقيداته فقد جاء البعد البيئي ـ الهموم الايكولوجية كما قد نسميها بمثابة اضافة جديدة شهدها عقد التسعينيات وجرت بلورتها مع مستهل هذا القرن الحادي والعشرين. الحياة بلا تلوث في هذا السياق صدر الاعلان الذي أشرنا اليه في مستهل هذا المبحث وقد عبرت عنه لجنة حقوق الانسان في بند جوهري قالت فيه: ـ إن الحياة بمنأى عن تلوث البيئة هي حق أساسي من حقوق الانسان. وفي ظل هذا الحق، ومن أجل اقراره وترجمته الى واقع عملي وملزم لشتى دول العالم ـ انطلقت جهود منظومة حقوق الانسان الدولية من أجل تدارس وبلورة وتنفيذ سلسلة من المعاهدات والبرامج فضلا عن تشجيع جهود وطنية ومحلية ترمي في مجموعها الى مواجهة مشكلة التلوث الايكولوجي التي باتت تهدد كوكب الأرض والمحيط البيئي الذي يعيش فيه الانسان المعاصر على سطحها. وتعد اتفاقية ستوكهولم المتعلقة بالبيئة العالمية ومكافحة تلوثها هي حجر الزاوية في هذه الجهود المبذولة ومن ثم تظل القوى والأفراد المعنيون بالشأن البيئي الكوكبي والقطري والاقليمي ـ ونحن منهم ـ في حال من الترقب الى حلول عام 2003 إن شاء الله الذي من المقرر أن يشهد التصديق الكامل من جانب جميع دول العالم على الاتفاقية المذكورة ومن ثم تصبح في حال من السريان الملزم دوليا بمعنى أن تترجم بنودها من عمومية التناول العالمي لتصبح بنودا تدخل كجزء لا يتجزأ ضمن متون التشريعات الوطنية في هذا البلد أو ذاك. وفي هذا السياق أيضا، وعلى نحو ما تقول نشرة أخبار البيئة العالمية ـ عدد 30 ابريل عام 2001: تأتي سنوات العقد القادم لتشهد حقبة من الفرص الهائلة المتاحة التي تبث أنفاس الحياة في أوصال الاعلان الصادر عن لجنة حقوق الانسان ومن أجل أن يصبح كوكب الأرض أكثر أمنا وأوفر سلامة وصحة وعافية. بيد أن المشكلة المطروحة في هذا الصدد تتعلق بعدم التكافؤ بل وبالظلم الفادح المتمثل في التباين الصارخ بين الذين يتسببون في اصابة كوكب الأرض بشتى أنواع الملوثات وبين الذين كتبت عليهم حظوظهم أن يدفعوا الثمن من صحتهم وظروف معيشتهم وتدني نوعية حياتهم المحفوفة من جانب بخطر الاعتلال ثم بظروف المسغبة والحرمان وقصور التنمية من جانب آخر. بين التقدم والتخلف المشكلة تحديدا أن الفريق الأول هو في منظمة من الأقطار المتقدمة، الموسرة ـ المصنعة في شمال العالم فيما يتمثل الفريق الآخر ـ (المجني عليه) في أقطار الجنوب ـ العالم الثالث الفقيرة في معظمها والوارثة في أغلبها لتركة التخلف والفقر واستنزاف الموارد المتخلفة بدورها عن عهود القهر والاستغلال الاستعماري. والمشكلة أن الأخطار الناجمة عن التلوث لا تتبع نمطا تقليديا كلاسيكيا بحيث يمكن تشخيصها ويسهل مكافحتها.. المشكلة أن ثمة أخطارا جديدة تماما على العالم.. من حيث نوعيتها ونمط نشوئها وانتشارها. فقد يفهم العالم خطر التلوث ـ الكلاسيكي الناجم كما يعرف الجميع عن الأكاسيد الكربونية ذات المحتويات السمية المرتفعة الناجمة بدورها عن عوادم الانبعاثات من عمليات الاحتراق الداخلي في موتورات الصناعة والمركبات على اختلاف الأنظمة والأنواع بل قد يتقدم العالم خطوات أبعد في مضمار تشخيص ومعالجة أخطار التلوث الناجم عن العمليات النووية وما اليها. نفايات الكترونية لكن ثمة عوادم من نوع جديد وفريد بدأ يشق طريقه في الآونة الأخيرة ـ هل نقول في الأيام أو الأسابيع القليلة الأخيرة ويتمثل في نوع مستجد تماما من أنواع العوادم أو النفايات .. وهو: ـ النفايات.. الالكترونية(!) وقد اصطنعوا له هذه التسمية وأصلها في الاختصار الانجليزي سإي ويستز - على وزن الاختصار الانجليزي لعبارة التجارة الالكترونية ـ سإي كوميرسس - التي صارت شهيرة وذائعة في أوساط من يستخدمون هذا الاسلوب في المبادلات والعمليات التجارية التي تستخدم الحواسيب ـ الكومبيوتر ـ وتدور صفقاتها ـ المليارية أحيانا ـ أكثر من دورة حول أقطار كوكب الأرض. والجامع المشترك بين نمط التلوث الجديد وبين أسلوب التجارة الذي تتحدث عنه هو بداهة صفة سالالكترونيةس بمعنى أن المشترك هنا هو وجود وتشغيل واستخدام الحاسوب الالكتروني. والمشكلة أن هذه الحواسيب ـ أجيال الكومبيوتر بكل ما يرتبط بها من أجهزة ومعدات وأدوات وتركيبات اتضح أنه ينجم عنها ـ بالتحديد عن النفايات المتخلفة عنها ـ آثار ونتائج تحمل خطر التسمم(!) على البشر في حال اعادة استخدامها أو اعادة تدويرها كما يقول التعبير الذي أصبح شائعا ومتداولا في هذا المجال. 5 مؤسسات دولية هذا بالتحديد ما نبهت اليه لجنة تضم خمسا من المنظمات المعنية بقضايا البيئة ومشكلاتها واللجنة الخماسية تضم المؤسسات التالية: (1) ائتلاف وادي السيليكون الأمريكي. (2) شبكة العمل في بازل. (3) هيئة لينك (معنية بخطر السموم) في الهند. (4) الجمعية الباكستانية لصون وحماية البيئة. (5) مؤسسة غرين بيس لأنصار البيئة في الصين. في أواخر فبراير الماضي أصدرت المنظمات الخمس تقريرا نراه غاية في الأهمية ـ بقدر مأمول أن نسترعي اليه نظر الدارسين والمخططين وكافة المعنيين بالشأن البيئي في الوطن العربي.. وتتمثل أهم محتويات هذا التقرير في نقاط جوهرية نحاول ايجازها بتكثيف شديد فيما يلي: ـ إن 50 ـ80 في المائة من مخلفات النفايات الالكترونية التي تتجمع في أمريكا يتم وضعها على متن سفن ـ حاويات ومن ثم يجري شحنها الى الصين والهند وباكستان وأقطار نامية أخرى (لم يرد ذكر دول عربية ولكن من يدري؟) وفي تلك البلدان النامية يعاد استخدام تلك النفايات ولكن في ظل فوضى وبأساليب لا تخضع للتفتيش ولا للتنظيم أو الترشيد وغالبا تسفر نتائج هذا الاستخدام عن خطر الاصابة بالسموم. ـ إن هذه النفايات تنشأ في أمريكا عن المعدات التي أصبحت في حكم المتاع القديم البالي ومن ثم تعين على المستهلكين أن يتخلصوا منها وهي عبارة عن الأجهزة والمعدات والتركيبات الالكترونية التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها تطورات أجيال الحواسيب! وفي هذا الخصوص تذكر الوكالة الأمريكية لحماية البيئة أن عام 1997 شهد وحده كمية من هذه النفايات الالكترونية بلغ وزنها 3.2 مليون طن وكانت مطروحة في مقالب القمامة في مواقع شتى ومن المنتظر أن تزيد هذه الكميات أربعة أضعاف في مدى سنوات قليلة. ـ إن عدد أجهزة الحواسيب (الكمبيوتر) التي سوف تصبح بالية وعتيقة ومطروحة في مقالب القمامة ما بين عامي 1997 و2004 من المحتمل أن يصل الى 513 مليون جهاز بحيث أن تتولد عنها كميات كبيرة من النفايات السامة (نيويورك هيرالد تريبون ـ عدد 26/2/2002). ـ من أمثلة هذه الأخطار التي تهدد بالتسمم أن كل شاشة حاسوب ملونة أو كل شاشة جهاز تلفزيون ملون تحتوي في المتوسط على ما يتراوح بين 1.8 الى 3.6 كيلوجرامات من الرصاص الذي يمكن أن يدخل في تلافيف البيئة المحيطة بالبشر عندما يتم التخلص من تلك الشاشات وقد أضحت عتيقة والقاؤها في مقالب القمامة. ـ أنه ثبت أن استخدام الأطفال وانسياب الصغار ـ من ذكر وأنثى ـ في التعامل مع الواردات من هذه النفايات الالكترونية ـ ولاسيما في بعض مناطق الصين ـ شمال شرقي هونج كونج بالذات ـ حيث انتعشت عمليات اعادة تدوير الحواسيب والمعدات الالكترونية القديمة بهدف استخلاص المعادن وسائر المواد اليافعة من تلك الأجزاء العتيقة مثل البلاستيك أو حتى الذهب.. لكن هناك من يدفع الثمن، على نحو ما يقول التقرير الذي نحيل اليه في هذا السياق ومن ذلك مثلا تلوث امدادات تلك السلسلة من القرى في المنطقة مما جعلها تعتمد على مياه مجلوبة على متن مستودعات ـ شاحنات من مناطق أخرى تبعد عنها مسافة 30 كيلو مترا. والأخطر هو أن معظم الأطفال وصغار الشباب العاملين في تلك الصناعات يمارسون العمل بغير واقيات تحميهم من اصابات الجهاز التنفسي في مصاهر الرصاص فضلا عن أنهم يعملون وسط سحابات وغلالات من أبخرة الكيماويات الناجمة عن مواد الطباعة والتلوين. يقول الكاتب الأمريكي جون ماركوف: ـ إن هذه الصادرات من الحواسيب والمعدات الالكترونية القديمة باتت تلوث أقطار العالم الثالث، وهذه المشكلة مطروحة حاليا لنقاش مهم يدور على الساحة الدولية وأن القوم يصفون عملية تصدير هذه النفايات بأنها اعادة تدوير أي اعادة استخدام بينما تشكل في واقع الأمر عملية اغراق يفضي الى خطر التلوث بالسموم. يضيف جون ماركوف قائلا: ـ إن الاتحاد الأوروبي ينحو الآن نحو الزام صانعي الحواسيب ومنتجي هذه الأجهزة والمعدات الالكترونية بتحمل المسئولية كاملة خلال دورة حياة تلك المنتجات (يعني من بدء الاستخدام الى مرحلة التصرف فيها واحالتها الى التقاعد والتخلص منها ـ بطريقة لا تضر البيئة بطبيعة الحال).. والمشكلة ـ يضيف ماركوف ـ أن الذي يقاوم الاتجاه (الايجابي كما ينبغي أن نسميه) هو الولايات المتحدة الأمريكية. صادرات الخطر إن التقرير الذي نشير اليه صادر بعنوان له دلالته الذاتية وهو: ـ تصدير الخطر: آسيا مقلب للتكنونفايات. ويحيل هذا التقرير الى أهم صك دولي صدر في هذا المضمار وهو اتفاقية بازل التي طرحتها الأمم المتحدة للتوقيع في عام 1989 ويقصد بها الحد من النفايات الخطرة. وتشير الهيرالدتربيون الى أن هذه الاتفاقية التي تقصد الى حماية صحة الانسان حظيت بتوقيع جميع الدول المتقدمة اللهم إلا دولة واحدة ما زالت ترفض التوقيع عليها هي أيضا الولايات المتحدة الأمريكية. وعندنا أن التفسير يكمن في الضغوط التي تمارسها جماعات المصالح التي تقصد الى أرباح طائلة تجنيها من انتاج وبيع الحواسيب وسائر الأجهزة الالكترونية ثم تتهرب من مسئوليات التصرف السليم والصحي في بقايا تلك الأجهزة بكل ما قد تحمله تلك البقايا من مخاطر أو مشكلات ويزيد المشكلة تفاقما حقيقة أن اشتداد الحملات والدعوات البيئية في بلدان العالم المتقدم يدفع الى مزيد من الضغوط والقيود على هؤلاء المنتجين. هنالك لا يجدون أمامهم سوى تصدير المشكلة برمتها الى خارج الحدود.. وما يصدرون سوى أخطار تلحق بشعوب العالم الثالث وقد لا تحس وطأتها تلك الشعوب ـ ولكنها جديرة بأن تدفع الثمن، ولو في أجل طويل. ـ كاتب سياسي من مصر