للمطر في العربية اسماء كثيرة منها الغيث وهو اسم به يستبشر الناس فهو مشتق من الاغاثة، والاغاثة كلمة تفيد العطاء والعون باستعجال نظرا لحال السوء والبؤس التي يخلفها القحط والجدب والمحل، وربما ان الغيث اسم من الاسماء التي اشتقها الرحمن من اسمائه الحسنى، فالغيث مشتق من المغيث وهو اسم من اسماء الرحمن، فالرحمن هو الغوث الذي لا غوث بعده ولا قبله. ومن اسماء المطر الحيا وهو اسم فيه دلالة على الاحياء، والاحياء سمة من سمات المطر فلا مطر بغير احياء حتى وان كان سيلا عارماً جارفاً يقتلع الاخضر واليابس فإنه وبعد هدوء العاصفة وتوقف السيول تعود الارض المرتوية من شديد المطر لتزهر وتنبت بالكلأ والعشب. والمطر ليس له السقيا والاحياء والانبات وحسب ولكنه الى ذلك له سمة اخرى وهي سمة الغسل والتطهير وأول ما يغسله المطر هو وجه الارض الشاحب الذي لطالما مرت به الرياح السافيات فغيرت لون طينته واديمه ولو تمعنت في وجه الارض بعد المطر لوجدت شبها بينه وبين وجوه الناس التي لا يجلو كدرها مثل الماء ولا يعيدها الى طبيعتها مثل الوضوء الذي فرضه الرحمن على كل مسلم لا لشيء الا ليعيده قبل كل صلاة الى حقيقته وجماله غير المزيف، فسبحان من جعل المطر رحمة للارض في كل عام وجعل من ماء الامطار مطرا خاصا لكل وجه مسلم في كل يوم خمس مرات. مما يغسله المطر والمطر يغسل غير وجه الارض وجوها اخرى فيفضحها يغسل وجوه الزيف في كل ارض فلا يضيق بالمطر مثل وجوه تلك المدن الاسمنتية التي تكدست فيها المباني الضخمة وتزاحمت في شوارعها وتزاحم فيها ناس لا اخلاق لهم، فهم يتراصون ويتدافعون بغير حب، كبيرهم يدوس صغيرهم وسمينهم يكتم انفاس نحيفهم وقبيحهم يتواقح على جميلهم ووضيعهم يرفع هامته وصوته على شريفهم، وكل بعد ذلك وقحون لا يقيمون لغير ذواتهم وزنا وكذلك هي بعض المدن الاسمنتية في هذه الايام اذا اتاها المطر اغرق شوارعها الضيقة فضاقت بأهلها وضاق اهلها بها وغدت شوارعها الضيقة حفرا وشوارعها بحيرات آسنة من ماء وطين يصير وحلاً تغرق فيه الارواح والنفوس قبل الارجل. ومما يغسله المطر ويفضحه ذلك الطمع المستفحل الذي دفع بكل صاحب ارض ان يبني فوقها بناية طويلة عريضة يملأها بوجوه كالحة يسكنها ارضه دون خوف من العواقب حتى اذا امتلأت تلك المباني والشوارع اضحت مدنا غريبة يضيع فيها اهل البلد فيرتحلون يسكنون اطرافها يأسف بعضهم على ذكريات احياء كانت مراجع صباهم ومعاهد طفولتهم فتركوها للغرباء الذين قد لا يشاركونهم لغة ولا دينا. الزيف ومما يغسله المطر اذا انهمر زيف الحضارة والمدنية ووجهها المشوه الذي لا يلبث الناس ان يهجروه سريعا اذا نزل المطر فيرتحلون حيث اماكن السيول والوديان يحطون رحالهم عندها ويريحون ارواحهم على ضفافها تاركين القصور الفخمة والمباني الشاهقة باحثين عن ظل شجرة في كتف واد يطلون منه على جدول ماء جار علهم يجدون عنده ما يفقدون في تلك المباني التي فيها يستوحشون. الغريب الغريب ان المطر وهو رحمة الخالق بخلقه لا ينزله الرحمن بقدر الطاعة والايمان فهو قد ينزله على اشد الناس فسوقا وكفرا ويمنعه عن اكثر الناس طاعة وعبادة، والامر هكذا في ظاهره مستغرب يدعو الى العجب ولكنه في الحقيقة المنع في باطنه العطاء، والعطاء في باطنه الإمهال والاستدراج. فمنع المطر عن اهل الطاعة دعوة من الخالق عباده الى الصبر الذي هو شرط لقاء الجزاء الاوفر في الاخرة. فالموعودون بلقاء الرحمن ولقاء جزائه العظيم في الاخرة هم الصابرون على الابتلاء، اولئك الصابرون الذي يستعينون بالصبر والصلاة على قضاء الرحمن وهم الذين يظنون انهم ملاقو ربهم وانهم اليه راجعون. فصبر اولئك على الظمأ وقلة السقيا مدعاة الى الصبر على الحرمان الذي هو مدعاة الى حسن الجزاء. أما عطاء الرحمن للكافرين والعاصين فحتما ليس دليل رضا وانما هو دليل استدراج ومد في الغي والذي لا جزاء له إلا العذاب في الآخرة. ولو ادرك الناس ذلك لصبروا اذا ما ابتلوا بعدم السقيا ودفعهم ذلك الى الالتفات الى ما يحجب المطر من المعاصي التي يسقى الرحمن الكافرين الفاسقين وهم يعاقرونها ليل نهار استدراجا لهم ولكنه يؤاخذ المؤمنين بالقليل منها بالحرمان من السقيا تطهيرا لعباده منها بتنبيههم اليها بالحرمان من السقيا فهل نحن منتبهون.