تشير سلسلة التطورات التي تشهدها الساحة السودانية منذ بعض الوقت الى ان السودان يواجه مرحلة مهمة يغلب عليها الطابع السياسي، وتختلط فيها بعض الأوراق الحزبية ، بما يؤدي الى تشكيل تحالفات سياسية جديدة. ولعل العنصرين الأبرز لهذه المرحلة هو اتفاق وقف اطلاق النار في جبال النوبة (غرب السودان) الذي تم توقيعه في سويسرا بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق، وذلك بمسعى من الولايات المتحدة ورعايتها. وأعقب ذلك توقيع اتفاق آخر سوداني ـ أمريكي لحماية المدنيين وتوصيل المساعدات إليهم، على أن تتم مختلف الاجراءات التنفيذية تحت إشراف دولي، وهو الأمر الذي كانت حكومة الرئيس السوداني عمر البشير تحفظت عليه ثم عادت ووافقت عليه تحت تأثير ضغوط أمريكية مباشرة واستجابة لمساعٍ بذلتها دول عدة. وبرغم أن الاتفاق يعتبر جزئياً ومحدوداً ويتناول قضايا تتصل بحقوق الإنسان، كـ (الرق وخطف المدنيين...) بالإضافة الى حماية المدنيين، إلا أن المحللين يرون فيه مجرد تجربة سيجري نقلها إلى الجنوب، في حال نجاحها، حيث تكمن الجذور الرئيسية للنزاع السوداني المسلح والطويل. لهذا يبذل مبعوث الرئيس الأمريكي الى السودان السناتور الجمهوري السابق جون دانفورث جهوداً كبيرة للتغلب على العقبات التي تعترض طريق الاتفاق، وأبرزها تخوف الحكومة السودانية من استغلال قوات «الحركة الشعبية» توقف القصف الجوي للتمدد في مناطق المواجهات والتعرض للمنشآت المدنية، وبالتالي تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض قد تنعكس على ميزان القوى القائم، ومن ثم على نتائج الصراع. مرونة سودانية بيد أن خبراء في الشأن السوداني يعتقدون ان الولايات المتحدة، والتي تقدّم الدعم الكامل لـ «الحركة الشعبية»، ستبدي حرجاً شديداً على نجاح الاتفاق، باعتباره يشكل احدى حلقات الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بمرحلة ما بعد 11 سبتمبر. ويشير هؤلاء الى ان السودان كان يحتل المرتبة الثانية على اللائحة الأمريكية الخاصة بمكافحة الارهاب، بعد أفغانستان، لكن تعاون الحكومة السودانية مع الادارة الأمريكية في مجال تقديم المعلومات المطلوبة عن العناصر المتهمة بالإرهاب، وكذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أية نشاطات ارهابية في السودان، أدى إلى إحداث تغيير جذري في الخطوات الأمريكية المقررة. بيد أن مثل هذا التوجه لن يحقق أهدافه المطلوبة في ظل استمرار النزاع المسلح في السودان الذي يعتبر، بحد ذاته، مصدراً لأشكال مختلفة من العنف والإرهاب والفوضى تصعب السيطرة عليها. فلكي يتم تجفيف مصادر العنف والإرهاب لابد من وقف الحرب أولاً، وبعدها تصبح أية مطالب ذات صلة بمكافحة الارهاب قابلة للاستجابة، خلافاً لما هو عليه الحال الآن. والولايات المتحدة لا تخشى أن يضعف نفوذها في السودان في حال تحقيق تسوية سياسية، بل على العكس من ذلك، فإن الحكومة السودانية تتمنى ان تظهر واشنطن اهتماماً أو رغبة في الوصول الى تسوية سياسية تضع حداً للنزاع المسلح المديد في جنوب البلاد وبعض مناطقها الأخرى، كما تجنّبها أية أعمال انتقامية أمريكية محتملة في حال اتسعت حملة مكافحة الارهاب لتشمل دولاً أخرى غير أفغانستان. ومن الواضح أن الخرطوم تبدي مرونة شديدة حيال الاقتراحات الأمريكية، وهي كانت أعربت عن انزعاجها البالغ بعدما أوقفت واشنطن اتصالاتها معها في أعقاب حادث قصف الطائرات السودانية تجمعاً مدنياً في إحدى مناطق النوبة ما أدى الى مقتل 17 شخصاً كانوا ينتظرون دورهم لتسلم المساعدات الانسانية المخصصة لهم. والمراقبون في كل ذلك يرون أوراقاً إضافية لمصلحة الولايات المتحدة ستستخدمها في المستقبل لتعزيز مصالحها ونفوذها، لا سيما ورقة الاستثمارات النفطية التي تسعى الخرطوم بقوة لكي يكون للولايات المتحدة حصة رئيسية فيها، بما يساعد، في اعتقادها، على توطيد العلاقات معها وتحولها عن دعم خصومها ومعارضيها، وبالتالي توفير ظروف جديدة، مختلفة، تحقق الاستقرار للسودان ولنظام البشير في آن. مؤشرات التحوّل السياسي ويسجّل بعض المحللين عدداً من الملاحظات المهمة التي تؤشر الى تحوّل في اهتمامات القوى والأحزاب السودانية باتجاه تغليب الخيار السياسي على الخيار العسكري، وكذلك إحداث تغييرات في مواقف هذه القوى في الاتجاه ذاته. ومن هذه الملاحظات: 1ـ صدور تصريحات عن زعيم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» جون قرنق ركّز فيها على الخيار السياسي، وفي الوقت نفسه تقليص نشاطه العسكري الى حد كبير. كذلك فإن الجولة التي قام بها قرنق أخيراً وشملت الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية كان هدفها البحث في خياراته الجديدة. وقد تفيده هذه الحركة الواسعة في تعزيز موقعه السياسي في أي مفاوضات مقبلة مع الحكومة السودانية. وفضلاً عن المحادثات التي أجراها قرنق مع مسئولي الدول التي شملتها جولته الواسعة، فقد عقد لقاءات مع شخصيات سودانية بارزة، لا سيما في بريطانيا، لمناقشة التطورات المستجدة في السودان. ومع أن قرنق استخدم في تصريحاته الصحفية خطاباً متشدداً، الى حد ما، أكد فيه قدرته على مواصلة نشاطه العسكري، إلا أن ذلك موجه، كما يبدو، للاستهلاك الشعبي المحلي، باعتبار ان الدول التي تدعمه عسكرياً، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هي التي ترسم حدود لعبة الضغط العسكري. 2ـ انضمام قوات «التحالف» السوداني التي يتزعمها العميد المتقاعد عبدالعزيز خالد، الى «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، واندماجهما في تنظيم سياسي واحد. ولعل الأهمية الخاصة التي تشكلها هذه الخطوة كون الطرف الأول تنظيماً شمالياً، ما يؤدي الى إلغاء القاعدة الراهنة للصراع: شمال ـ جنوب، أو مسلم ـ مسيحي. وكانت «قوات التحالف» قلصت نشاطها العسكري ضد السلطة الحكومية منذ نحو سنتين. وهذا النشاط متوقف الآن. وتشير مصادر سودانية الى ان هدف «قوات التحالف» ليس تقديم دعم عسكري الى «الحركة الشعبية» وانما تقديم دعم سياسي من المفترض ان تكون له فوائد لاحقة عندما يحين أوان المفاوضات السياسية الجدية بين طرفي المواجهة في السودان وتتشكل قوى التغيير. وهذا ما بدأت تستعد له القوى السودانية الرئيسية. 3ـ استئناف العلاقات السياسية بين حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بعد قطيعة استمرت منذ انسحاب حزب الأمة من «التجمع السوداني» المعارض وعودة المهدي إلى الخرطوم. وقد عقد جون قرنق اجتماعاً في لندن، أخيراً، مع رئيس القطاع السياسي في حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي، هو الأول من نوعه منذ عام 1999 تاريخ بدء القطيعة بين الطرفين. وقرر الجانبان، وفقا لبيان صادر عنهما عقب الاجتماع المذكور «استئناف العلاقات بين التنظيمين ومواصلة الاتصالات والحوار لايجاد حلول لمشكلات السودان». ويمثل هذا الاتفاق تطورا بارزا في مسار التفاعلات التي تشهدها الساحة السودانية حاليا لاعتبارات عديدة: أولاً، لأن حزب الأمة يعتبر الاكثر شعبية في السودان. ثانيا، لأن عودة الصادق المهدي الى الخرطوم عام 2000 كانت تعني مشاركة حزبه في حكومة الرئيس عمر البشير، لكن ذلك لم يحصل. ثالثا، لأن حزب الأمة والصادق المهدي شخصيا، انتقدا بشدة «وثيقة التفاهم» التي وقعت بين «الحركة الشعبية و«المؤتمر الشعبي» بزعامة حسن الترابي، وأدت الى اعتقال الأخير ووضعه قيد الاقامة الجبرية حتى الآن. وكان الصادق المهدي اعتبر في تصريحات أدلى بها بعد توقيع الوثيقة المذكورة ان هذا التحالف يعني تأييدا ودعما من الترابي لحركة عسكرية تقاوم السلطة الحكومية بالسلاح، مما يترتب عليه مسئوليات مباشرة تبرر اتخاذ اجراءات رسمية ضده، بيد ان المهدي برر خطوته هو بأنها ذات مضمون سياسي، وأنها تمت على أساس ان موقف الحركة أصبح أكثر اهتماما بالجوانب السياسية وأكثر قبولا بالتعددية السياسية، وهو ما يخدم هدف تحقيق تسوية سلمية للنزاع القائم. وقال زعيم حزب الأمة ان حكومة البشير كانت على علم باتفاق حزبه مع «الحركة الشعبية» وانه أبلغها بذلك رسميا. وقد أثارت خطوة حزب الأمة انتقادات عنيفة في الخرطوم، الى حد صدور تلميحات تشير الى احتمال ان يواجه المهدي مصيرا كالذي واجهه من حسن الترابي. لكن الضجة هدأت بعد ذلك، أولا بعدما أوضح الصادق المهدي حقيقة هدفه من هذا الاتفاق، وثانيا لأن أية مواجهة بين حزب الأمة والحكومة السودانية لن تكون لمصلحة الأخيرة، فضلا عن حاجة الطرفين الى مزيد من التعاون السياسي في المرحلة الراهنة، وليس العكس. وكان حزب الأمة قرر وقف الحوار مع حكومة البشير، لاسيما في شأن انضمامه اليها، لكن المهدي عاد فأعلن لاحقا مواصلة الحوار، حتى تكون خطوطه السياسية مفتوحة في مختلف الاتجاهات.. تأثيرات الثروة النفطية 4ـ يشكل النفط عاملا رئيسيا بين عوامل الصراع في السودان، خصوصا بعد ان أضاف مردوده المتزايد مصدر قوة مرجحاً الى المجهود العسكري الحكومي في مواجهة حركة التمرد بقيادة جون قرنق. وقد حاولت قوات «الحركة الشعبية» مرارا تعطيل عمليات الانتاج الجارية في بعض مناطق الجنوب من دون نتيجة. وكانت آخر محاولة لها في هذا المجال تلك التي تمت أواخر فبراير الماضي، حيث شنت هجوما على مناطق انتاج النفط الرئيسية في ولاية الوحدة. وأعلنت الحكومة السودانية آنذاك انها استطاعت صد المهاجمين بعد معارك ضارية سيطرت بنتيجتها على القاعدة الرئيسية لقوات المتمردين واحتلال المطار في منطقة «ينالديو» حيث ينطلق التهديد الرئيسي للنفط. وتشير مصادر سودانية الى ان «الحركة الشعبية لتحرير السودان» كانت تبذل، بهذا الهجوم، محاولة رئيسية، ربما تكون الأخيرة، لخلق معادلة جديدة في الصراع تعتمد عليها المفاوضات السياسية المقبلة لتعزيز موقفها. لاسيما وان عدة شركات نفطية عاملة في الجنوب كانت هددت بوقف نشاطها بسبب التهديدات التي تتعرض لها من المتمردين، ربما بهدف الابتزاز المادي ايضا.بيد ان الخطر الرئيسي في هذا المجال كان يأتي دائما من قوات «الحركة الشعبية». وتقول هذه المصادر ان الحكومة السودانية بدأت تتلقى اشارات ايجابية حول احتمال موافقة الشركات النفطية الأمريكية على المشاركة في الاستثمارات النفطية بما يشكل في حد ذاته ضمانة لتحقيق الهدوء في مناطق انتاج النفط، حتى ولو لم تتحقق تسوية المشكلة السودانية في وقت قريب. وينتج السودان حاليا 200 ألف برميل يوميا، لكن الخبراء النفطيين يؤكدون انه يمكن زيادة الكمية المنتجة في شكل محسوس إذا ما جرى توسع في مجال الاستثمارات النفطية. لذلك سعت الحكومة السودانية بقوة لاقناع الشركات النفطية الأمريكية بالمشاركة في عمليات الانتاج، الى حد انها استخدمت ما يسمى «اللوبي السوداني» في واشنطن للضغط على الادارة الأمريكية في هذا الاتجاه، في مواجهة «لوبي سوداني» آخر يعمل دائما وبنشاط لمصلحة «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، ويضغط في الاتجاه المعاكس.والمحللون يتناولون موضوع النفط، باعتباره عنصرا رئيسيا، قد يكون ساعد في تصعيد المواجهات المسلحة في الجنوب، لكنه في الوقت ذاته يعدّ حافزا قويا لوقفها بقدر ما تستفيد منه الاطراف المتصارعة، وكذلك الدول الممولة للحرب الأهلية السودانية. 5ـ ظهور تحسن في العلاقات السودانية ـ الأوغندية سمح بحدوث تنسيق أمني بارز بين البلدين، وقد تجلى هذا التنسيق بسماح السودان لقوات أوغندية بمطاردة مسلحي «جيش الرب» الاوغندي المعارض داخل الأراضي السودانية بعدما أقدموا على اختطاف عدد من المواطنين الاوغنديين واحتجازهم. وفيما أعلنت السلطات الاوغندية ان قواتها ستحتفظ بوجود شبه دائم داخل الاراضي السودانية المتاخمة لحدود أوغندا لمطاردة المسلحين الأوغنديين، أوضح وزير خارجية السودان مصطفى عثمان اسماعيل ان العمليات العسكرية الاوغندية إنما تتم بالاتفاق بين السلطات الامنية في الدولتين ومن أجل انهاء المشاكل التي تقع في المناطق الحدودية المشتركة. ومن المعروف ان أوغندا كانت، تقليدياً، أبرز داعمي «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وكانت المساعدات الأمريكية تصل الى الحركة عبر أوغندا، مما شكل ويشكل عامل ضغطاً مستمراً على الحكومة السودانية. وبالمقابل، كانت السلطات السودانية تفسح في المجال للمعارضين الاوغنديين، وأبرزهم حركة «جيش الرب» لكي ينشطوا عبر الحدود السودانية ـ الأوغندية. وعلى ذلك، فإن التطورات الجديدة تشكّل عاملا بارزا يرمز الى تقلص محتمل للنشاطات العسكرية داخل السودان، وهو ما يزيد من فرص نجاح الجهود السياسية الراهنة. أفكار جديدة للتسوية 6ـ ان تغليب الخيار السياسي على الخيار العسكري في التوجهات الحالية يفترض طرح مشاريع سياسية جديدة تصلح لتحقيق تسوية مقبولة من الطرفين. وبالفعل فقد بدأ تسريب «أفكار ومقترحات» تصب في هذا الاتجاه، وذلك للاستفادة من الاجواء الايجابية التي ترافق تجربة وقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة. وآخر ما جرى تسريبه في هذا الشأن، مشروع تسوية أعدته كينيا، بدعم من الولايات المتحدة، قيل انه يجمع بين المبادرة المصرية ـ الليبية ومبادرة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق افريقيا (ايجاد). وتتحدث مسودة المشروع عن «دولة واحدة بنظامين» لتجاوز مبدأ تقرير المصير المطروح دائما كصيغة من صيغ انفصال الجنوب، فيكون البديل «تقرير المصير الداخلي» وهو ما يعني من الناحية الدستورية، تحقيق «استقلال داخلي» ولكن في اطار الدولة الواحدة. والمشروع يمنح كل ولاية صلاحية سن التشريعات التي تناسبها مع ضمان حق التعايش السلمي بين الديانات من دون تمييز. وهذه الصيغة تعتبر بديلا لمطلب «فصل الدين عن السياسة» الذي ترفضه الحكومة السودانية.على ان جون قرنق أعاد في آخر تصريحات له خلال زيارته للولايات المتحدة، طرح مشروعه القديم بـ «اقامة كونفيدرالية بين دولتين، شمالية وجنوبية، مع اجراء استفتاء على تقرير المصير بين الدولتين». ودعا الى ان يكون هذا المشروع هدف محادثات السلام المقبلة.إن هذه الافكار، أو الاقتراحات، التي تطرح من أطراف خارج النزاع القائم، تأتي بمثابة بدائل إذا ما تعذر على مشاريع المبادرات المطروحة من قبل، وأبرزها المبادرة المصرية ـ الليبية. بيد ان المهم في هذا الجانب هو الاتجاه الغالب حاليا لاعتماد المنطق السياسي، بعد ان فشل الضغط العسكري من قبل طرفي المواجهة، في حسم الامور لمصلحة أي منهما.لكن المشكلة الرئيسية التي تبرز الآن هي ان الولايات المتحدة تلعب دور الخصم والحكم في كل ما يحدث على الساحة السودانية، كما في ساحات اقليمية وعالمية أخرى. ويخشى ان تكون الرغبة الجامحة في الهيمنة لدى الادارة الأمريكية الحالية، لاسيما بعد الحادي عشر من سبتمبر، عاملا من العوامل السلبية التي ستُعَقد المشكلة بدلاً من فتح أبواب الحل أمامها. وهذا ما ستكشف عنه المواقف الأمريكية اللاحقة. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس