هل ان ما قرأناه مندهشين يوم التاسع من مارس الجاري على صفحات «لوس انجلوس تايم» مجرد تخمينات صحفية وهلوسات اعلامية ام انه اعلان رسمي ذكي وخفيّ عن عقيدة واشنطن النووية، الجديدة، على ضوء احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ووفق التحولات الجيوستراتيجية الخطيرة التي ترسم على طول العالم وعرضه خرائط جديدة؟ رسمياً لم يصدر تكذيب او تفنيد او تعليق او تعديل للتقرير المدهش الذي نشرته «لوس انجلوس تايم» وكأننا امام بالونة اختبار متنامية الدقة تم اعدادها في سرادق السلطة التنفيذية والعسكرية الامريكية وتمخضت عن «معلومات» مترابطة متكاملة تعلن في الواقع عن عقيدة نووية جديدة يبدو ان واشنطن تريد ان يعرفها الرأي العام العالمي ويقرأ لها الف حساب وان تستقر في اذهان النخب الحاكمة في العالم قبل ان تحدد سياساتها تجاه «الحليفة امريكا» او «العدوّة امريكا». ويعلم خبراء الجيوستراتيجية بأن تغيراً جذرياً طرأ على العقيدة النووية الامريكية حسب المخطط الصادر يوم 9 مارس. فلقد كان الردع النووي الامريكي منذ نشأته عام 1945، موجّها لانهاء الحرب العالمية الثانية حين استقطبت واشنطن منذ عام 1942 علماء الذرة الالمان وابرزهم فون براون الذي طور نظريات انشتاين في النسبية وانشطار الجزيئات المادية الى اصغر نواة ممكنة، مما جعل امريكا تسبق عدوّها الالماني النازي، ادولف هتلر بتطوير التكنولوجيات الالمانية الى تصنيع القنبلة واستعملتها واشنطن بدون تردد في الخامس من اغسطس 1945 لتدمير مدينتي «هيروشيما» و«ناجازاكي». ثم تحولت العقيدة النووية الامريكية الى اقرار توازن الرعب حين توصل الاتحاد السوفييتي عام 1949 الى صنع سلاحه النووي. ولم يجرب هذا السلاح من اي من الطرفين حتى هددت ازمة صواريخ كوبا في اكتوبر 1962 باندلاع اول حرب نووية بين العملاقين وسحبت موسكو صواريخها من الجزيرة يوم 28 اكتوبر 1962. ومنذ ذلك التاريخ تحولت العقيدة النووية الامريكية الى خدمة العقيدة الدبلوماسية الامريكية التي تحمل اسم وزير الخارجية دين راسك والمتمثلة في احتواء المد الشيوعي العالمي والمعبر عنه بعبارة Containment فاستعملت واشنطن تهديدها النووي في اوروبا حيث كانت تحتل المانيا الغربية وتسيطر على حلف شمال الاطلسي (الناتو) كما استعملت نفس التهديد لايقاف الصين الشعبية وخاصة في فيتنام وغيرت كثيراً من انظمة العالم الثالث بافريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية لتعويضها بأنظمة عسكرية وصارمة وموالية لواشنطن، تكون حاجزاً منيعاً ضد الدعاية الشيوعية التي انتقلت من الآداب والفنون للشوارع ثم الأدغال والجبال هنا وهناك في مناطق عديدة من العالم. واستمرت عقيدة دين راسك الى الثمانينيات حيث هبت عاصفة نوفمبر 1989 لتعصف باغلب الانظمة الشيوعية. وتغيرت المعادلة النووية بعمق حين التحقت الصين والهند وباكستان بالنادي النووي وعلى قول المخابرات الامريكية فإن دولاً اخرى تكاد تصنع سلاحها النووي ومنها دول لاتزال الدبلوماسية الامريكية تنعتها بالمروق مثل العراق وايران وكوريا الشمالية. والذي حدث يوم 11 سبتمبر 2001 هو زلزال حقيقي اصاب الولايات المتحدة في صميم سياساتها التقليدية واضطرها الى مراجعة كل شيء، بدءاً بالعقيدة النورية. وكما جاء في «لوس انجلوس تايم» فإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ترأس لجنة عليا انشأها الرئيس دابليو بوش مكلفة بمراجعة العقيدة النووية .Nuclear Posture Review فالعالم اعيدت صياغته منذ 1989 الى اليوم بصورة لا تخدم دائماً المصالح الامريكية وقد تشكلت خارج المدار الامريكي التقليدي قوى جديدة ناشئة لها طموحات لا تتماشى دائماً والمصالح الامريكية. ولذلك وجب اعادة النظر في العقيدة النووية على ضوء هذه التغييرات الكبرى بما يستجيب ـ حسب رأي الصحيفة المحترمة ـ لدوافع الامن القومي الامريكي الذي لم يعد في منأى آمن عن ضربات ارهابية قد تكون وراءها دولة او مجموعة دول «معادية لأمريكا» او مهددة لدول حليفة استراتيجياً لأمريكا. ومن هذا المنظور اتجهت العقيدة الى الصين في حالة إعلان حرب ضد تايوان والى روسيا في حالة خروج بعض جمهورياتها المسلمة عن خط الحياد والاعتدال والى العراق في حالة مهاجمتها لاسرائيل والى كوريا الشمالية في حالة «عدوانها» على كوريا الجنوبية والى ايران وليبيا.. دون سبب محدد لكن بخلفية استراتيجية غير معلنة بمعنى في حالة حصولهما على تكنولوجيا تضعهما على طريق التسلح النووي. اما فلسفة هذه العقيدة الجديدة فتحدد الاخطار المتوقعة وهي كالتالي: اهداف لا تدمّرها الاسلحة التقليدية مثل ترسانة من اسلحة الدمار الشامل تخفيها دولة او منظمة تحت الارض او رد فعل نووي على هجوم نووي او بيولوجي او كيماوي او ضد عدوان غير تقليدي وغير معروف الى اليوم (ربما يشير تقرير الصحيفة الى امر مماثل لهجوم الحادي عشر من سبتمبر!).وهكذا فإن العالم سمع ووعى.. وعندما سئلت السيدة كوندوليزا رايس عن هذه الاسرار قالت: «من حق امريكا ان تراجع نظرياتها واسلحتها».اما كولن باول فأجاب: «لأمريكا حق تعدد الخيارات في كل الاحوال». وبالطبع لم تقف روسيا مكتوفة الايدي امام «اسرار» من هذا النوع فأرسل الرئيس بوتين وزير الخارجية، ايفانوف مستفسراً عن نوايا واشنطن قبل اسابيع قليلة من لقاء بوش ـ بوتين! واني اتساءل كما تساءل ميشال جوبير في مقاله حول نفس الموضوع ـ السبت الماضي ـ ماذا يفعل العرب ازاء هذه العقيدة وبينهم وبين واشنطن قضية ساخنة وعاجلة هي قضية فلسطين. فلعل القمة تجيب. ـ استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر