هب أن الرياح الشرق أوسطية جرت بما تشتهي السفن العربية: تصفي اسرائيل احتلالها بالكامل، بما في ذلك ازالة المستوطنات نهائيا في كل من غزة والضفة والجولان، وحتى مزارع شبعا اللبنانية. يعود قسم من اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم داخل اسرائيل بينما يعوّض الباقون. تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل أرض غزة والضفة بعاصمتها القدس الشرقية وجيشها وسيادتها على الموارد. هل تبلغ قصة الصراع العربي الاسرائيلي اذن نهايتها لتبقى اسرائيل بعد ذلك دولة آمنة معترفا بها من الدول العربية ـ والاسلامية ـ كافة؟ الشيخ احمد ياسين زعيم حركة «حماس» الفلسطينية يقول بالفم المليان: لا! فلماذا؟ وما هو تصور «حماس» الاستراتيجي للمستقبل؟ وهل هو تصور مستمد من الواقع ام هو مجرد خواطر عاطفية ذات اساس اسطوري؟ لم يكن حديث الشيخ احمد ياسين بلا مناسبة. فنادرا ما يعمد قادة «حماس» الى طرح تصورهم المستقبلي. كانت المناسبة مقابلة صحفية طرحت فيها صحيفة «الشرق الاوسط» اسئلة على الشيخ عن موقف «حماس» تجاه مبادرة السلام السعودية التي استقبلت بترحيب عربي شامل على المستويين الرسمي والشعبي بما في ذك قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. وبينما تدعو المبادرة السعودية الى سلام شامل يعقبه تطبيع عربي كامل مع دولة اسرائيل اذا قبلت بانسحاب كامل من الاراضي العربية المحتلة كلها وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية فان زعيم «حماس» لا يرى في ذلك نهاية المطاف بل يرى فيه «تأجيل الصراع» .. اي انقضاء مرحلة اولى من الصراع العربي الاسرائيلي تعقبها «هدنة» تستمر ريثما يعد الطرف الفلسطيني العدة للمرحلة الثانية ـ والاخيرة. من هذا المنظور تقبل «حماس» على لسان زعيمها مبادرة السلام السعودية «تكتيكيا» وترفضها «استراتيجيا» اي ان «حماس» ترى في تحرير غزة والضفة وغيرهما من الارض العربية المحتلة اسرائيليا انجازا مرحليا جزئيا. فلا يكتمل الانجاز النهائي الا بعد استرداد الارض التي تقوم عليها حاليا اسرائيل . الهدف الاستراتيجي الاعظم لحماس هو التحرير الكامل لما يطلق عليه «فلسطين التاريخية» ـ اي يتجاوز الارض التي جرى احتلالها في عام 1967 ليشمل ايضا الارض التي اغتصبتها الجماعات اليهودية المسلحة واقيم عليها بحلول عام 1948 دولة اسرائيل بعد ان فر منها او طرد اقسام كبيرة من السكان الفلسطينيين الاصليين .. فصاروا لاجئين في البلدان العربية المجاورة ـ الاردن وسوريا ولبنان ـ او خارج حدود الوطن العربي الاكبر. واذا كان هذا الهدف الاعظم مسوغا تاريخيا وقانونيا .. فهل هو كذلك واقعيا؟ ان الرد الواقعي التقليدي على طرح «حماس» (ويشاركها في هذه الرؤية «حزب الله» اللبناني) هو ان دولة اسرائيل باتت، بالرغم من عدم مشروعية قيامها، حقيقة ثابتة وراسخة، وبالتالي جزءا لا يتجزء من وضع منطقة الشرق الاوسط المعاصر .. بل وحقيقة راسخة من حقائق الوضع الدولي الجيوسياسي المعترف به عالميا .. ولذا فان مجرد المطالبة بالغاء الدولة اليهودية، فضلا عن السعي الفعلي لازالتها من وجه الوجود امر غير مبرر بحكم الواقع الدولي الراهن والمستقبلي. ان هذا الرد يبقى ساري المفعول وذا صلاحية زمنية لايتطرق اليها اي شك لو ان هناك ضمانا بأن الدولة الاسرائيلية سوف تبقى على حدودها الراهنة بلا نزعة توسعية. غير ان اجندة اليمين الاسرائيلي ـ الذي يحظى حتى الآن بشعبية اسرائيلية كاسحة ـ لاتفيد الا بعكس ذلك. فالضفة الغربية لنهر الاردن على الاقل هي من هذا المنظور «ارض توراتية مقدسة» يجب استردادها وطرد الفلسطينيين منها الى «وطنهم» الاصلي ـ اي دولة الاردن. صفوة القول اذن هي ان «حماس» لها رؤية ليست بغير أساس.