يبدو اننا نظلم الحضارة الغربية ونظلم اصالتها وعمقها وتنوعها وثراءها حينما نربطها بتبني العولمة كسلاح حاد وموجه وارعن نحن وثقافتنا فيه الطرف المصوب نحوه السهم. وعلى رأي الدكتور عبدالوهاب المسيري وهو من الباحثين الذين ابحروا في ثقافات الحضارة الغربية وممن غرزوا مباضعهم في تفاصيلها، فاننا لا يتوجب ان نتعامل مع العولمة بسطحية القول انها «الجرار» الذي جاء من الغرب ليهدم الاخضر واليابس، بل يتوجب علينا ان نعي تماما انه فكرة اقتصادية شرسة ضد الحضارة بصفتها العامة، وبالتالي فهي ضد الانسانية دون تخصيص.. بهذا يفتح المسيري باب السؤال التالي ونحن نقول ان ثقافتنا الحاملة لهويتنا العربية تذوب في بحر الاستهلاك الذي سلع الاشياء من حولنا، حتى خلايانا الحية، السؤال: من يحتاج اليوم اكثر من أي وقت مضى لفهم محنة العولمة طالما هي محنة تطحننا ونستشعر طحنها على ضلوعنا وطالما هي في النهاية فخ نصبه بضعة تجار من اجل تحويل الحياة الى بيع وشراء وسوق نتعود ان ندخله كعادة الاكل والشرب؟ من عليه ان يعي تماما فكرة انها قابلة للمواجهة، وان مواجهتها تكمن في ثقافة واعية وعقليات قادرة على طرح الاسئلة الجريئة من خوف ومن سطوة، وانها بحاجة لفكر لديه قدرة الامعان في الحاضر والمستقبل لا لفكر اقتصاديين او سياسيين يتبعون العرض والطلب دائما؟ ان الدكتور المسيري وكذلك الدكتور الموسوي وايضا الدكتور جابر عصفور وهم يضعون خطوطهم الحمراء على واقع اداء الثقافة العربية، وواقع اداء المثقف العربي، وواقع تعامل السلطة العربية مع فكر المثقف، انما هم يدعوننا الى النظر مباشرة الى الهامش او الركن الضيق الذي يتنفس فيه مثقفونا ومفكرونا العرب، الى ذلك المكان القصي الذي ابعدوا اليه، ليكونوا اكسسوارا في نهاية المطاف بعيدا عن مركز الحياة. لم تكن ندوة الثقافة العربية في عصر العولمة التي شارك فيها الثلاثة بمركز جمعة الماجد مجرد شرح للمصطلح ولا استشرافا لواقع سنؤول اليه، انما هم وضعوا اصبعا واحدا على مكان الثغرة ليقولوا لنا من هنا يمكن لجرار العولمة ان يعبر ليحيلنا الى آلات، او ريبوتات تتبرمج بسهولة كلما تقدمت تقنيات التلقيم. وتقنيات التلقيم هذه لا تعمل الا على عقولنا وحواسنا وارواحنا. وكما قال د. المسيري في تلك المحاضرة لجمهوره وهو يضحك ان العملية ببساطة اشبه بأن تكون في فندق خمسة نجوم تنفذ لك الطلبات بنظام مرشد، الامر الذي لا تحتاج فيه الى فعل او ردة فعل.. تحويلنا الى اطفال بملقمات عالية الجودة، تفريغنا تماما من قلق السؤال وارق البحث.. تحويلنا الى مستقبل دائم لنتاج اكبر المصانع العالمية، وحينما تتحقق هذه اللذة الجسدية يصبح سهلا ان ينقاد الفكر، وان تبحر الروح كيفما شاءوا لها ان تبحر، معاذ الله. لو بيدي لتركت المسيري والموسوي وعصفور عشر سنوات على الاقل يطوفون حواري الوطن العربي ليتحدثوا عن ذلك دون فرصة واحدة للسكوت.