شيئان أخشاهما حتى الآن. التلفون والتلغراف! رنين التلفون بعد منتصف الليل يستنفر توجساتي، وصول التلغراف يجعلني أقول لنفسي (ربنا يستر) قبل أن أقرأ سطوره الضامرة، قليلة الكلمات، هذا ميراث قديم عندي. ربما بدأ في القرية. خلال السنوات الأولى التي أمضيتها هناك في جهينة أقصى الجنوب، حيث كان السفر يقتضي يوما كاملا من القاهرة الى بلدتنا، مسقط رأسي والتي لم تنقطع صلتي بها حتى الآن، وحتى منتصف الستينيات كنا نمضي شهور الصيف هناك. يتحرك القطار في الثامنة صباحا. وبمجرد تجاوزه محطة الجيزة تبدأ اعمدة التلغراف في الظهور، تنتظم بأصرار عبر مسافات متساوية على امتداد الخط الحديدي من القاهرة وحتى طهطا التي كنا نغادر فيها القطار لنركب سيارة أجرة الى القرية التي تقع غربا على حدود الصحراء الغربية، تستمر أعمدة التلغراف جنوبا، حتى الشلال، آخر نقطة في السكة الحديد قبل بناء السد العالي. لطالما تأملت أعمدة التلغراف، في تراجعها السريع المستمر الى الوراء. المتسق مع سرعة القطار، اذا ابطأ تبطئ واذا أسرع تسرع، منذ طفولتي وصولا الى شيخوختي الآن انظر اليها، اتأمل في تلك الأعمدة الصامتة، الجامدة التي تصل اسلاكا ترتفع وتنخفض للرائي مع استمرار اندفاع القطار الى الامام، واحيانا كانت تكتسب هيئة انسانية، اخشاب منحوتة في سمك متساو، وأطوال متسقة، تبدو الاسلاك صامتة، جامدة، والحقيقة انها تضج بالاشارات، بالشفرة، تتدفق عبر البرقيات من جهات شتى. مجرد نبضات، تتحول الى تكتكات، تترجم الى كلمات، بعضها يثير الفرح فتنطلق الزغاريد، وبعضها يثير الصدمة فتعلو الصرخات والبكاء. التلغراف كان مخيفا بالنسبة لنا في الصعيد، وصوله يعني ان كارثة وقعت، أو حدثا جللا يجري، فما الذي يدفع أحدهم هناك الى ارسال بضع كلمات مقابل دفع نقود بالتأكيد هو يحتاجها الا اذا كان ثمة أمر لا يحتمل التأخير أو الانتظار الذي يستغرقه خطاب مرسل بالبريد العادي أو المستعجل. أخبرني خالي رحمه الله انني بعد ان جئت الى الدنيا في جهينة، ذهب الى مكتب التلغراف الذي كان يقع قرب نقطة الشرطة، وطلب من أحد الذين يجيدون القراءة والكتابة، ان يخط نص البرقية في أقل كلمات ممكنة، فالكلمة هنا تكلف نقودا. (رزقك الله بولد) من يقرأ هذه السطور سيجدها عادية، ولكنها تخفي مستويات عديدة، فثمة اتفاق سبق بين والدي الذي كان في القاهرة وقتئذ ملازما لعمله في وزارة الزراعة والذي لا يستطيع ان يتركه ليحضر الى البلدة ليشهد ولادة ابنه. كان مضمون الاتفاق انه في حالة انجاب ولد أو بنت يقوم خالي بإخطار الوالد بالتلغراف، وعندئذ يرسل الوالد تلغرافاً مقابلاً يذكر فيه الاسم الذي قرره للمولود. (سموه جمال). هكذا كان الرد الذي وصل في اليوم التالي مباشرة، وحمله رجل نحيل، طويل، يمسك عصا، ويعمل بمكتب التلغراف، أي انه يمت الى الحكومة، مثل الغفير، وعسكري الشرطة والعمدة، وقد رأيته في طفولتي يحمل التلغرافات الى البيوت، وكان ظهوره يثير الخيفة والترقب، لكنه اذا كان ثمة خبر مفرح يتعلق بزواج أو كسب قضية فانه يقف منتظراً (الحلاوة) والتي ربما تكون بعض النقود، أو رغيفين أو ما تيسر. أخبرتني والدتي فيما بعد أنه أخذ الحلاوة، بعض البلح والطحين، عند وصول البرقية أصبح اسمي (جمال) لا أعرف كم يوما أمضيت بلا اسم في انتظار تلغراف الوالد، ولم تكن هناك فرصة للمناقشة أو ابداء رغبة مغايرة، فما وصل في التلغراف قرار نهائي، وفيما بعد سألت أبي لماذا سمى أخي (اسماعيل) فقال انه اختار الاسم تيمنا بالابن البار لسيدنا ابراهيم الذي انحدر منه العرب أجمعين، وقلت عندئذ متسائلا: ولماذا اسميتني بجمال؟، قال انه بوحي من اسم جمال الدين الافغاني المصلح، المفكر، الثائر، يومها شعرت بحزن ولم أعبر عنه، فأخي اسماعيل يوافق اسمه اسم سيدنا اسماعيل الذي كنت أعرف تفاصيل الموقف الذي مر به، وامتثاله لأبيه، ونزول سيدنا جبريل بخروف ليفتديه به. كان الموقف مجسدا في مخيلتي أيضا بتأثير رسم لفنان شعبي مجهول كان يباع على الرصيف بجوار المساجد حتى بداية الستينيات، ثم اختفى هذا الرسم مع لوحات اخرى، وفيما بعد اقتنيت بعضها من تونس عندما زرتها لأول مرة عام خمسة وثمانين من القرن الماضي. كان مبعثه ان اسمي لا يتفق مع اسم أحد الصالحين، فلم أكن أعرف شيئا عن السيد جمال الدين الافغاني هذا الا بعد أن تقدمت في العمر، وان أصبح اسمي مصدر فخر لي بعد ثورة يوليو، اذ كان يوافق اسم زعيمها جمال عبدالناصر، عندما أرسل والدي البرقية كانت المرة الأولى التي تدق فيها آلات التلغراف الاشارات التي تعني اسمي، وربما تلك المرة الاولى التي يكتب فيها اسمي في ورقة تتبع الحكومة المصرية، فشهادة ميلادي لم تستخرج الا بعد وصول التلغراف الذي يحمل الاسم الذي اختاره أبي. سوف يكتب اسمي بعد ذلك كثيرا في تلغرافات شتى، بعضها للتهنئة، عند مروري بمناسبات سعيدة، مثل حصولي على جائزة، أو ظهور كتاب جديد، أو للتعزية كما حدث عند وفاة والدي وبعده والدتي، أو شكاوى من مواطنين لحقهم أذى أو ضيم وتصوروا ان الصحفي له من النفوذ مايمكنه ابلاغ صوته على الاقل الى من بأيديهم الأمر، وحاليا يتم ارسال تلغرافات تحمل اسمي ولكنني لم أقم بجهد بإرسالها، أي انني لم اذهب الى مكتب التلغراف الذي كان وجوده في القرية من علامات تواجد الدولة، لقد تطور الأمر، واصبح ارسال برقية عزاء أو تهنئة ممكنا من خلال رقم معين في التلفون، ويتم اضافة قيمة البرقية على فاتورة الحساب، وكثيرا مايقوم زميلي محمد دياب المشرف على مكتبي بارسال برقيات باسمي عند قراءته في لوحات اعلانات المؤسسة أو صفحة الوفيات اسم شخصية لي بها صلة. أو زميل، وكثيرا مايقوم بذلك دون أن يخبرني، وأفاجأ بخطابات شكر تصلني على مواساتي الرقيقة أو التعازي الحارة التي قمت بها والتي لم أقم بها في الواقع، لكنها مبادرات محمد دياب النشط، والتي تنقذني من الحرج كثيرا، لكثرة المشاغل، وضيق الوقت المتاح لاداء الواجب. لقد تغير شكل التلغراف، كان في الماضي ورقة مطبوعة، مقسمة الى خانات، الرئيسية منها في المنتصف وتحمل نص البرقية، وحتى انشاء الشركة المصرية للاتصالات التي تمارس نشاطها الآن ومنذ سنوات قريبة، لم يتغير شكل التلغراف واللون الأصفر الذي كانت تطبع عليه الكلمات، وكان يحوي كل المضامين، العزاء، والتهنئة، والاخطار بحدث ما، والغريب ان التلغراف ظل يحمل لعدة سنوات عبارة غير مفهومة في المقدمة، تتكون من حرفين فقط: طش طش طش. ثم تبدأ البرقية، والتي كانت تحوي بعض الأخطاء، لكن الآن اصبح الورق مصقولا، وهناك صيغة للتهنئة، والورق المخصص لها ملون، يثير الفرح، وهناك ورق للعزاء يحمل شارة سوداء. لقد تحسنت الخدمة كثيرا في مصر بالتأكيد خلال السنوات الاخيرة، ولكن هذه الاعمدة الخشبية التي اثارت خيالي في طفولتي والتي يقف كل منها في وحدة مطلقة، لا يتصل بالاعمدة الاخرى الا من خلال الاسلاك التي تصل الاعمدة كلها، هذه الاعمدة التي لو صفت بجوار بعضها لشكلت بقايا غابة كاملة سوف تختفي قريبا، فوسائل الاتصالات شهدت ثورة كبرى مع ظهور (الانترنت)، والذي لا يكلف الارسال عبره الا قروشاً زهيدة، ويصل في نفس اللحظة، ويمكن للانسان أن يطلع على بريده من أي مكان في العالم، كما ان وصول الرسائل عبر الانترنت هاديء، لا يحدث ضجة، ولا يباغتنا، ولا يترك فينا اثرا من خوف أو توجس، حيث كان وصول تلغراف الى احدى القرى في الماضي باعثا على الندب والصريخ لو انه يحمل خبرا سيئا، لذلك قلت في البداية ان التلغراف والتلفون يثيران خشيتي حتى الآن، سوف يختفي التلغراف، وسوف تختفي التلفونات بشكلها الحالي، كذلك رسائل الورق أي البريد، سوف تتطور شبكة (الانترنت) بشكل مذهل وسيصل بحال الاتصالات الى مستويات ربما تفوق قدرتنا على التخيل الآن، وسيختفي في المستقبل ذلك الخوف القديم من التلغراف من المجهول!