في ندوة الحوار الإسلامي الياباني التي عقدت في البحرين يومي 12 و 13 مارس 2002، دار الكثير من النقاش حول تفعيل التواصل بين الحضارتين وكيفية تطويرها، واستمرت فعاليات الندوة منذ الساعة التاسعة صباحا وحتى السادسة والنصف مساء، تخللتها استراحات قصيرة يستغلها البعض لزيادة نسبة النيكوتين في دمائهم، وغيرهم لتحريك الدماء التي تجمدت في عروقهم.تعددت واختلفت الآراء التي طرحها المشتركون كتعدد بلدانهم وثقافاتهم، وخصوصا في قضايا المرأة، وعلاقة الدولة بالدين، ودور المؤسسة الدينية، والتعامل مع غير المسلمين، والمفهوم العام للدين ودوره في المجتمع، واعتقد أن اليابانيين عانوا الكثير في محاولات جادة لفهم العالم الإسلامي، فعالمنا الإسلامي خليط ومزيج معقد من البشر والثقافات والعادات والتقاليد والأقليات والنزاعات والمفاهيم والأساطير والعصبيات والقبائل والأيديولوجيات، فكيف سيفهم اليابانيون ذلك؟ الله اعلم!! ولكننا ندعو الله أن يعينهم على ذلك ويفتح قلوبهم وعقولهم، ويزيدهم حلما إلى حلمهم. ومن المفارقات التي قد يقع فيها المستمع إلى نقاش كهذا هو وضع المرأة في العالم الإسلامي، ففي حين أنها يتوجب عليها تغطية وجهها في دولة كالسعودية، فإنها تحرم من الدخول إلى الجامعة في تركيا، وتمنع من تلقي العلاج في المستشفيات في تونس إذا وضعت غطاء على رأسها، وفي بعض الدول الإسلامية تتولى المرأة مناصب القضاء والوزارة وفي دول أخرى تحرم حتى من إدارة شؤونها الخاصة. أما المؤسسات الدينية فهي تختلف من دولة الى اخرى، وتلعب أدوارا متباينة لا تكاد تتشابه في كل دولة، تبدأ من مشاركة نظام الحكم وسبغ الشرعية عليه، وتنتهي برعاية المساجد والقائمين عليها في دور بسيط مهمش لا يجب ان يتعداه. ان علاقة الجماعات الاسلامية بانظمة الحكم المختلفة ايضا بحاجة الى تفصيل، ففي حين انها تشارك في اللعبة السياسية في بعض الدول وتقبل بها، فانها تحارب حربا لاهوادة فيها في دول اخرى، مما حدا بها للدخول في صراع مع بعض الانظمة بطريقة أدت الى تكفير تلك الانظمة وحتى العاملين فيها. إن الاختلافات عدة، وفي كل مجال من مجالات الحياة والتفاعل المجتمعي توجد خلافات واضحة بين كل دولة واخرى أملتها عوامل ليس هذا مجال حصرها. إذن من الذي يمثل الاسلام؟ وكيف نعرضه على الاخرين؟ عارضني البعض خلال احدى الندوات عندما قلت ان الولايات المتحدة دولة متجانسة، فما قصدته انها دولة متجانسة من ناحية المفهوم والثقافة والتعليم، فما هو عيب في لوس انجلوس، هو ايضا عيب في واشنطن، وعندما يتم تعيين امرأة في منصب عام في البيت الابيض، لانجد من يعارض ذلك دينيا في الوسط الامريكي، وما كان شاذا في المجتمع يظهر بشكل واضح غير خفي، فليس هناك خلاف على شكل الحكومة ودور الدين ومفهوم التطرف والحرية الفردية، كلها امور قد تم الانتهاء منها وكتابتها والاتفاق عليها. خلال دراستي في الولايات المتحدة الامريكية تعرفت على بعض الشباب الماليزي الذي يعتبر في عرف البعض متطرفا، فقد كانوا يعتمرون العمامة، ويلبسون قميصا طويلا الى الركبتين، ولا يأكلون في المطاعم، ومع ذلك كانوا ينتظرون تخرجهم بفارغ الصبر للعودة لبلادهم والعمل في دوائر الحكومة، وقابلت بعض الشباب العربي الذي ترك دراسته وتفرغ للتجارة، وعندما سألته عن السبب قال: ان اموال الحكومة كلها ربوية، وانا اريد رزقا حلالا، وما افعل بالشهادة وانا اعمل في التجارة؟ اننا هنا امام ظاهرة غريبة، ففي حين ان ماليزيا دولة علمانية إلا ان الماليزيين الاسلاميين لا يكفرونها، ومع ان الدول العربية لا تعلن علمانيتها إلا ان الاسلاميين العرب قد يكفرون بعضها، او على الاقل يحرمون التعامل معها، لماذا؟ في تصوري ان ماليزيا على علمانيتها نجحت في استيعاب الاتجاه الاسلامي، وفسح مجال له للتحرك ضمن انظمة الدولة، وهو فعلا يدير بعض المقاطعات الماليزية ومع انه نجح في بعض الامور الا انه اخفق في امور اخرى ايضا مما اضعف شعبيته في بعض الاوساط. اما بالنسبة للدول العربية فانها اعلنت الحرب على الحركات الاسلامية، مما جعلها تتطرف وتتبنى الفكر التكفيري العنيف. اليس من المفترض ان يكون لدينا حوار اسلامي ـ اسلامي لنوحد مصطلحاتنا ونتفادى خلافاتنا قبل ان نعرض بضاعتنا؟ كم اتمنى ذلك. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»