هل انقلبت الدنيا؟! هل ما نراه أضغاث أحلام أم حقيقة ماثلة وملموسة؟! للمرة الأولى على الاطلاق في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي يكون طرف عربي ـ لا الطرف الاسرائيلي ـ هو الذي يحدد شروط العملية التفاوضية. ولم تكن الادارة الامريكية ممثلة في مبعوثها إلى الشرق الأوسط الجنرال أنتوني زيني هي الجهة الوحيدة التي أصيبت بالدهشة عندما قال ياسر عرفات للمبعوث الأمريكي الوسيط لأول مرة: لا، لن نتحدث الى أرييل شارون. لدينا شروط! دهش شارون نفسه بالطبع ودهشت العواصم العربية..وربما أدهش عرفات نفسه أولاً! والسؤال المطروح هو: هل ذلك التحدي منقطع النظير، الأول من نوعه الذي ألقى به عرفات في وجه واشنطن وتل أبيب مجرد خاطرة ذاتية عابرة أم انه يعكس انقلاباً جذرياً في مسار الصراع العربي الاسرائيلي؟ الإجابة وردت على لسان عرفات نفسه دون ان يدري.. أم لعله يدري؟ كان عرفات يعلق على ما روّجته وسائل الإعلام الامريكية من ان ما اضطر شارون الى وقف عمليات توغل القوات الاسرائيلية داخل المدن والقرى الفلسطينية واقتحامها مخيمات اللاجئين هو ضغط حازم وحاسم من الادارة الامريكية. فقد قال عرفات بالفم المليان: لا. الفضل في ارغام الجيش الاسرائيلي على الانسحاب يرجع الى المقاومة الباسلة للشعب الفلسطيني وصموده. ولأن عرفات لم ينطق إلا بالحق والحقيقة فإن ما قاله يعكس نقلة تاريخية فلسطينية تبلورت للتو: إن المقاومة الفلسطينية المسلحة أصبحت الآن فوق الجميع وانها فرضت نفسها كأعظم قوة فلسطينية، ليس على اسرائيل والولايات المتحدة فحسب، بل ايضاً على القيادة التقليدية الفلسطينية وعلى العواصم العربية. وإذا كان كثير من العرب لم ينتبهوا الى مغزى تعليق عرفات بشأن تفسير اضطرار اسرائيل الى سحب قواتها فإن هذا المغزى أكد نفسه في التطور المباشر التالي للانسحاب الاسرائيلي وهو استئناف المبعوث الأمريكي الجنرال زيني وساطته وفق أجندته الداعية الى جمع الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على مائدة تفاوضية. لقد فوجيء انتوني زيني ان القيادة الفلسطينية التقليدية ليست تلك التي ألفها سهلة الانقياد تتكالب على الوساطة الامريكية استجداء للتفاوض مع الجانب الاسرائيلي دون أي شروط. للمرة الأول يسمع وسيط أمريكي قيادة السلطة الفلسطينية تقول: لا، لدينا شروط. وهما شرطان كما نعلم. أولاً، أن يكون الانسحاب العسكري الاسرائيلي من أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني كاملاً وشاملاً ونهائياً.. وثانياً، ان يشتمل التفاوض على القضايا السياسية لا أن ينحصر في الجانب الأمني كما ظل شارون يصر على الدوام.. وبتأييد كامل من واشنطن. في كلمة واحدة.. عرفات يتحدث الآن باسم المقاومة الفلسطينية لا السلطة الفلسطينية. فالسلطة الفلسطينية جرفها تيار المقاومة الجارف بعد انتقال عملية صنع القرار النضالي اليومي الى قادة فصائل المقاومة ونزوح الكوادر الأمنية للسلطة الى صفوف المقاومة. ومع ذلك يبقى تساؤل: هل هذا التحول العرفاتي جذري ونهائي،أم ان أبوعمار يركب الآن موجة عالية من قبيل التكتيك المؤقت مضمراً النزول منها إذا تراءى له انها تنحسر؟ ربما لا يملك أحد سوى عرفات نفسه إجابة شافية عن هذا التساؤل، لكن الأيام القلائل المقبلة بتطوراتها المتسارعة ومصير بعثة زيني سوف تأتي قطعا بالاجابة. على ان الحقيقة التي رسخت الآن على الأرض الفلسطينية هي ان المقاومة المسلحة تجاوزت نقطة اللاعودة ليس بالمعنى القتالي فحسب، بل أيضاً بالمعنى السياسي. أحمد عمرابي