يبحث اليابانيون عن نموذج «اسلامي» يفتشون في وسطه عن الاسباب العميقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويبحث العرب عن نموذج «ياباني» يفتشون في ارجائه عن المعادلة التي حققت النهضة اليابانية. كان ذلك هو محور الندوة التي عقدت في البحرين الاسبوع الماضي بمبادرة من وزير الخارجية الياباني الاسبق «يوهي كونو» بالتعاون مع وزارة خارجية مملكة البحرين ووزارات الخارجية في دول المنطقة، ونظمها مركز البحرين للدراسات والبحوث، وكانت تحت عنوان «الحوار الاسلامي ـ الياباني»، ولم يجد اي من الفريقين النموذج الذي يبحث عنه، فقد كانت الحيرة مشتركة بين المساهمين المسلمين، وهم عرب في معظمهم من دول عربية عديدة الى جانب ايران، وبين اليابانيين. تسود في العقل العربي الجمعي نظرية تكاد تكون ثابتة، وهي ان اليابان وصلت الى ما وصلت اليه من تقدم ونهضة وصناعة لأنها استطاعت ان تمزج بين «تقاليدها الشرقية» و«الحداثة الغربية». وكانت الاسئلة والمداخلات العربية تتمحور في معظمها لمعرفة الخلطة السحرية التي استطاع اليابانيون ان يصنعوها ليصلوا بها الى ما وصلوا اليه من نهضة وتقدم، وهل هذه الخلطة، ان وجدت، يمكن استعارتها للبيئة العربية؟ ولم يكن الامر بهذه البساطة، فقد تحدث الجانب الياباني، وهم في غالبيتهم اكاديميون وكتاب، مؤكدين ان اسباب النهضة اليابانية امر معقد لا يمكن تلخيصه بمعادلة المزج بين «الحداثة والتراث». فقد كانت النهضة عملية تاريخية ساهم في تكوينها عدد من العناصر الموضوعية، وايضاً عدد من المصادفات التاريخية التي جعلت اليابان تتبوأ ما هي عليه اليوم من وضع اقتصادي واجتماعي وثقافي متقدم. مسيرة التحديث لقد اخذت اليابان عقيدة الكونفوشية من الصين وهضمتها، لتتحول بعد ذلك الى عقيدة الشينتو، وهي عقيدة فرغت الكونفوشية من القطيعة التي احتوتها، وحولتها الى عقيدة مرنة بقيادة اله الشمس الامبراطور، وبعد الحرب العالمية الثانية انزلت اليابان ـ بمساعدة الحلفاء الجدد ـ اله الشمس من برجه العالي الى الحياة العادية، من دون كثير من المعارضة او الاختلاف. اما في الجانب الاقتصادي والصناعي فقد وجد اليابانيون في هزيمة الصين في حربها مع بريطانيا (التي سميت بحرب الافيون في اربعينيات القرن التاسع عشر) نذيراً لأن تقع اليابان تحت قهر الاستعمار الغربي، فقام الاصلاحيون القوميون بمحاولات لتجنب مثل هذا المصير، قادت الى ما سمي باصلاحات «الميجي» او ثورة الميجي في العقد السادس من القرن التاسع عشر، وكان هذا الاصلاح مبنياً على قاعدة انه «لا محاربة للآخر (الغربي) الا بفهم واستيعاب وسائله الحديثة، وهي المدفع والبارود»، فلا يستطيع السيف أن يقف امام المدفع، وليست الشجاعة هي ان تقف متسلحاً ببندقية امام بارجة، فكان ان دخلت اليابان في حركة تصنيع استمرت وتنامت، حتى قادت في ذروتها الى التصنيع الثقيل والاقتصاد الحديث، وايضاً الحروب وعلى رأسها الحرب العالمية الثانية المدمرة. باختصار: لقد اخذت اليابان بسبل «الحداثة»، كما هي بكل تفاصيلها في المؤسسات السياسية والتعليمية والبحثية والصناعية، وتكيف المجتمع الياباني مع هذه المتطلبات من دون ان يتوقف امام «التقاليد» بالمعنى الحرفي للكلمة. ذلك ملخص للمسيرة اليابانية في التحديث، وهي مخالفة تماماً للنمذجة العربية حول اليابان، حيث اعتقد كثيرون انهم «واءموا بين الحداثة والتقاليد». تبادل النمذجة في الجانب الاخر لفت نظري ما قاله احد الاخوة المساهمين من المغرب «انه تمت محاولة من حاكم صالح في المغرب في القرن التاسع عشر لارسال بعثة علمية للغرب لالتقاط مفاتيح العلم الغربي السائد وقتها، ولكن بعد ان عادت تلك البعثة الى وطنها افتى بعض الفقهاء بوضع افرادها في السجن، وهكذا سجن العلم الحديث بسجن افراده»! على الجانب الاخر بحث اليابانيون عن «الاسلام»، وربما كان من الخطأ تسمية الحوار بالياباني ـ الاسلامي، لأن اليابان بلد موحد له حكومة واحدة وشعب واحد، في حين ان الاسلام عقيدة تنتشر في بقاع الارض، وتدين به دول مختلفة، ويمارس المسلمون حياتهم باختلاف شديد ويتكلمون عدداً كبيراً من اللغات المختلفة، ولهم ممارسات متباينة، كما ان تطبيقهم الحياتي للاسلام مختلف، ومن ثم فإن طرح الموضوع اصلاً بهذه الثنائية هو خطأ علمي، لأنه يصطنع ثنائية بين طرفين غير متجانسين، وربما سببت ارباكاً في الفهم وصعوبة اكثر في الشرح. اليابانيون يرون ـ من بعيد ـ ان هناك «نموذجاً واحداً للاسلام»، ويقول بعضهم انه يفهم الفرق في المواقف والتفسيرات والتوجهات المستقبلية، ولكن ان لم يكن كل المسلمين هم «طالبان» اليس صحيحاً ان «طالبان» هم مسلمون، وهم من فجروا تمثال بوذا؟ كما انه ليس كل المسلمين هم من «القاعدة»، ولكن اليس كل «القاعدة» مسلمين؟ انتم تقولون ان المسلم لا ينتحر، افليس من انتحر في الطائرات الاربع هم مسلمون؟ انها نمذجة يابانية للمسلمين، تقابل النمذجة العربية ـ وربما الاسلامية ـ لليابان! هذه الاشكالية هي جوهر اشكالية الفهم والتفاهم مع الاخر في الزمن الحالي، سواء كان هذا الاخر هو «اليابان» او غيرها من امم الارض، وربما كانت هي حيرة الكثير من المسلمين ـ وخاصة العرب ـ حيث يحارون في هذا الوقت، بين فئة تقول ان اغلبية المسلمين ليست لهم علاقة بالغلو والتطرف، و«الارهاب»، وفئة اخرى تقوم بالاعمال الارهابية، وثالثة تبرر الارهاب تبريراً دينياً. بداية الطريق جاء جزء من الرد من بعض المشاركين باشارة صحيحة الى ان الاسلام دين تسامح وله قواعد مقررة في السلم والحرب، وفيه من النصوص ما يمنع القتل العشوائي وبلا جريرة. كل هذا صحيح ـ يهز له الياباني رأسه ـ ولكنه يبحث عن تفسير اعمق لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويقول لك بعضهم اننا نعترف بأن «نمذجة» الصورة اليابانية هي نمذجة ليست خاصة بكم كعرب ومسلمين، ولكنها عالمية، فكثير من الامم تنظر الينا من خلال ذلك النموذج المزاوج بين التراث والحداثة، وفي المقابل فإن عليكم ايضاً ان تعترفوا بأن نمذجة المسلم قد تكونت بعد الحادي عشر من سبتمبر، وهي تخلط بين «المسلم» و«الارهابي»، ومن ثم لن يجديها الحديث عن المبادئ المكتوبة بقدر ما ينفعها التفسير لما قد وقع وشاهدته العيون؟ وهذه اشكالية يعلم الله ان كثيراً منا بات في حيرة حول كيفية تفكيكها، في الوقت الذي تقوم فيه وسائل الاعلام العالمية باغراق الشعوب والمجتمعات بأخبار تقول ان معظم الرأي العام العربي يبرر ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، وقد تكون هذه المبررات عقلانية عندما تأتي من الاخرين، ولكنها عندما تأتي من عرب ومسلمين تكو قد تجاوزت التبرير كي تصب في خانة التأييد! يعترف اليابانيون بأنه من السابق لأوانه ان نصل الى نظرية تفسر بشكل كامل «معجزة النهضة اليابانية»، وفي الوقت نفسه من المبكر ان نقف على كل الاسباب التي تفسر ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، الا ان المؤكد ان ما حدث قد خلق مناخاً دولياً مختلفاً تماماً عما كان في السابق، واصبح التخوف من الثقافة الاسلامية تخوفاً حقيقياً لدى شعوب كثيرة، من بينها الشعب الياباني الذي لا يعرف الكثير عن تفاصيل هذه الحضارة. واذا كانت هناك حقائق قد استخلصت من هذه الجولة من الحوار فإن بعضها يقول ان الفارق في فهم الثقافتين الاسلامية العربية واليابانية فارق حقيقي وملحوظ، لا يمكن القفز عليه او المجاملة حوله، وان الطريق للحوار طويل يحتاج الى ما هو اكثر من جهود مجرد افراد قلائل من الجانبين يلتقون لفترة وجيزة ثم ينفضون. انه طريق طويل، ينتظر ان تعبده المؤسسات التعليمية والثقافية ويحتاج الى البحث العقلاني واستمرارية الجهود والصبر على مواصلة العمل، لانه ليس من ادوات هذا العمل «مصباح علاء الدين»! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت