مثل حال الشعر في زمنه، مثل صولاته وجولاته وقوته على تحريك الساكن، وبعث ما يعجز عنه الكلام العادي من رفض وقبول لحوادث الواقع هو فن الكاريكاتير. اليوم يجتمع اكثر من 120 رساما من دول عديدة يشاركون في الملتقى العالمي الثاني للكاريكاتير في دبي، يقدمون خلاله ما يزيد على 600 لوحة عبرت من خلالها الريشة عن مواقف صريحة تجاه ما مر وما يمر بالانسان في عصر ما عادت فيه اكثر المنطقيات انسانية سائدة.. هذا الفن الذي ابتدعه الفنان الانسان كوسيلة نازفة بالرفض ونازفة بالالم ونازفة بالجرأة، يأتي في زمان غير زمانه، حاله كحال الشعر، الا ان هناك من لايزال يؤمن بضربات ريشته في التأثير وفي الفعل.. في وطننا العربي الكبير الجريح بالويلات والازمات برزت نخبة عاصروا ريشة هذا الفن الساخر ودفعوا كما دفع شعراء النضال حيواتهم ثمنا لمواقف شريفة صادقة، هناك لائحة كبيرة لاسماء فن الكاريكاتير العربي منهم ايضا من رحل عن دنيانا لانه ضرب بريشته وجه الظلم ووجوه الفاسدين ومنهم من هزمته ايام السجون والمعتقلات ثم عادوا منها منتصرين، ومنهم من غاب في هذا الزحيم العجيب.. ومثلما نحتفل اليوم بالشعر ونبكي ايامه، وايام صولته، فإننا نحتفل اليوم بنفر كرسوا حياتهم من اجل كلمة حق، او صفعة ساخرة لوضع فاسد.. هؤلاء اصحاب الريشة الموظفة لخدمة همومنا وقضايانا، هؤلاء الذين يفكرون الليل والنهار في لقطة يرصدون من خلالها الخلل او يرسلون من خلالها اشارة، هي ومضة فكر، او ردة فعل لروح مأزومة بأزمات هذ العصر، هم اليوم بيننا.. يأتي يوم الشعر، ويوم الريشة الرصاصة المطلوقة في صدر الخطأ وكل سالب لنتذكر، او يذكروننا بأن هذه الاشكال من الخطاب الهادف لايزال هناك من يقبض عليها في زمن ثقافة الاستهلاك التي تنهشنا حتى النخاع. ناجي العلي، حنظلة، ربما الرمز والصورة لسيرة النضال الفلسطيني والقومي.. ذلك الذي اسكتته رصاصة الغدر ولم تسكت آثار ريشته حتى اليوم.. ناجي العلي ومن كانوا قبله ومن بعده في هذا الفن الاصيل الهادف، هو شيء من الثقافة الجادة التي صار فرسانها ندرة في هذا الزمن المهزوز والواقع المستلب بالرخيص من الفنون.. يأتي هذا الملتقى ليؤكد وجوده واهميته وليعيدنا الى سنوات مضت كانت فيها الصحيفة المقروءة هي الكاريكاتير اولا واخيراً.. عنصران اجتمعا في هذا اليوم هما غائبان عن حياتنا ـ وان حضرا ـ ولهذا نأسف على هذا الغياب.. الشعر وفعل الريشة الساخرة.. عنصران كانا في سنوات النضال العربي الحقيقي كمدفعين رئيسيين على خط الجبهة الساخنة.. نأسف للغياب.. نفرح للحضور في هذه الايام..