ما ان يحط بك الرحال فوق أرض تونس حتى يتملكك شعور غامر باكتمال السعادة وتمام الراحة وكأنك كنت هنا من قبل، رغم انك تزور هذه البلاد الخضراء لأول مرة في حياتك، وربما يعود ذلك إلى أن كل شيء حولك ينطق بالجمال قبل ان تكتشف تلك الجاذبية التي هي عنوان رئيسي لكل ما تشهده في تونس. ولعل اول ما يلفت نظرك بعد احساسك الجميل بروعة المكان الذي يأسر لبك هو الاناقة الكاملة التي يحرص عليها الناس هناك كبارا وصغارا، فالكل كما تقول في منتهى «الشياكة» خلال ساعات الليل، وكذلك النهار، وهذا أول مشهد يشعرك بأن الناس يعيشون حياتهم في استقرار وهدوء بال حتى وهم يعملون ويكدحون. وما اسعدك حين تكتشف ان هذه الاناقة تزداد عندما يمنحك الناس وانت تقترب منهم مساحات هائلة من الود والحب تجاه أهل الشرق، وهو شعور يسود كل طوائف الشعب في تونس تجاه اخوتهم في المشرق والذي يقترن دائما بالتوق البالغ الى معرفة الكثير من أحوالنا وشئوننا نحن القابعين هنا قرب خليجنا. في تونس تعبر الاصالة عن ذاتها في كل صوب واتجاه حيث كل ما فيها يجذبك بشدة ليعلن عن نفسه بقوة وشموخ.. كذلك الشموخ الذي يجسده تمثال عالم الاجتماع العربي الشهير ابن خلدون الذي يقف شاهدا على ثقافة اهل البلد وعمق انتمائهم. اما دكاكين تونس وبالاخص دكاكين منطقة المدينة العتيقة كما يسمونها هناك فإنها وبكل المقاييس كتلة حية من التاريخ تتفجر بها كل احاسيس الزائر، وهناك لا يمكن لك مهما كانت حالتك إلا ان تتأثر حين تشاهد تحت اسقف هذه الدكاكين كيف تتراكم الكنوز البراقة التي تجمع بين الجودة والاصالة وفي داخلها تتهاوى نداءات الباعة التي تتماوج عبر ضجيج السوق ليجد الزائر نفسه في النهاية وكأنه في رحلة عائداً لتوه من دهاليز ألف ليلة وليلة. أما جولة السيارة في مدينة تونس فإنها تخلف في النفس شجنا لا يتوقف حين تنقلك العجلات الاربع الى اجواء غاية في الجمال وفي الاصالة والعراقة، خاصة حين تصل بك السيارة الى قصر البلدية الذي يعد نموذجا رائعا في المعمار قلّ ان يوجد له مثيل ولا تملك إلا ان تقف مشدوها امام هذا الفن الذي يحيط بك من كل جانب، فحين ترمي النظر الى الطرف الآخر من هذا القصر ستقع العين على أقدم مدرسة في تونس وهي المدرسة الصادقية وأمامها تقع ساحة القصبة واذا اتجهت بعيدا الى الامام فإنك ستجد نفسك امام مبنى البرلمان التونسي وهو مجلس خمس نوابه من النساء. أما على اليسار فإن المتحف الوطني يدعوك للاستمتاع بحكايات الماضي ترويها مجموعة من لوحات الفسيفساء والنحوت والمجوهرات تحت سقف قصر بايات ومفردها باي وهو لقب حكام تونس قبل الاستقلال، هذا القصر الذي يعود تاريخه الى القرن التاسع عشر. واذا كنت زائرا للمرة الأولى فإن موقع قرطاج الاثري وقرية سيدي بوسعيد لابد وان يكونا على خارطة برنامجك، وهناك حاذر من مشاهدها لأن الواحد منها ينسيك الآخر رغم انك كنت امامه قبل ثوان لأن الروعة تزداد كلما تعددت المشاهد. وكذلك المنستير التي يتجانس فيها العتيق والحديث وتعد سيمفونية ألوان تتناغم في الحانها انواع الخضرة، وهذه الزيارة لا تكتمل الا بزيارة سوسة جوهرة الساحل والقيروان بجامعها الكبير، والجم التي يتصدرها مسرح «الكوليزي» والروماني والمهدية عاصمة الفاطميين. وزيارة تونس لابد ان تتوج بزيارة الجنوب حيث منطقة مطماطة التي تعد فرصة لاكتشاف معمار فريد في العالم، وأخرى للشمال حيث الرأس الطيب والحمامات ونابل وغيرها.. وعبر المقاهي ذات الطراز التونسي الفريد والمطاعم الشعبية يكون في وسع الزائر اكتشاف اشهى الاكلات مثل «البريك» و«الكسكسي» والحلويات والشاي المنعنع الذي تكسوه طبقة من الصنوبر، ويستنشق الرائحة الذكية لباقة فواحة من الياسمين.. والكرم هناك برشا..