غداً هو اليوم العالمي للشعر، في هذا اليوم نتذكر فورا صولات وجولات شعراء العرب في سوق عكاظ، ذلك السوق الذي كان يجمع فطاحل الشعراء العرب، شعراء المديح والهجاء، شعراء الحرب والحب، الشعراء الفرسان يوم كانت الكلمة على صهوة حصان جانح نحو المدى البعيد.. ذلك الشعر الذي سجل التاريخ وحفظ النخوة وحفر في الذاكرة آلاف الصور والمشاهد النبيلة عن أمة بلغت مبلغا في فلسفة الكلام وكان لها اللسان الفصيح. حمل الشعر العربي كل الذاكرة وأوصلها الينا، وتربينا على تلك الفلسفات وتلك المثل وتلك المنطقيات، كان شعرا حاملا حال الامة ومقامها، كان شعرا يثور في وجه الواقع ليغيره ويعيد بناءه، وكان فرسانه كفرسان المعارك والفتوحات. أتذكر هذا اليوم في يوم الشعر والشعراء، وأتذكر معه كل الشعر وكل الشعراء المعاصرين والذين ذهبوا أيضا على واقعنا اليوم، أولئك الذين علمتنا أبياتهم الشعرية في كراس المدرسة ما الوطن وما العروبة وما الأمة التي نرضع منها وحدتنا.. تذكرت أسماء المئات منهم من أولئك الذين فار دمهم وفار شعرهم ضد الطغاة وضد الظلام وضد كل فعل سلطوي فاسد، شعراء قتلهم شعرهم النضالي، وشعراء حفروا في جدار الجهل كوة لنا ولمن جاء من بعدهم، أناروا تلك الدهاليز المظلمة.. كانت كلماتهم طلقات رصاص في صدر الخيانة، في صدر القهر، في صدر الاستعمار.. أولئك الذين رحلوا، أو الذين يشيخون اليوم من بيننا كانت لهم صهوات القصائد مدى للفعل.. في هذا اليوم أتذكر كم تبقى منهم على درب القصيدة الثائرة المغيرة، القابضة على جمرها، وفي هذا اليوم أتذكر ما يثقب آذاننا ويشوه أحوالنا ويفسد أذواقنا من شعر صار في الحضيض، شعر يباع في «الكباريهات» شعر لا تشتريه غير الراقصات، شعر يؤخر الأمة ولا يقدمها، يفتتها وينشر الهش من المشاعر، شعر صارت سلعته أرخص من سلع التنظيف. مات الشعر الفارس في وقت حاجته، وماتت القصيدة الراكضة بجرأة الجرح في ذلك المدى وصرنا مع الشعر الجديد نطرب لخراب الكلمات التي ماع منطقها ورخص مبناها ومعناها.. وما عاد في الشعر ثورة ولا سهم نظيف يطعن عنا ذلك الجنب الاشيب الذي يتربص بنا.. في هذا اليوم لا يمكن الاحتفاء بشعر سوقه في المواخير الرخيصة، ولا يمكن اعتماد شعرائه فوارس زمانهم. أولئك القابضون على جمرة الشعر قليلون يغيبهم عن الوجود دخان حانات الشعر الرخيص.. فكيف نحتفل؟..