أغلى ما في الوجود الحي، يصاب بالهدر اليومي في دول الخليج، ما لا يمكن الحياة بدونه نفقده بلا شعور، لانه يتسرب عبر الشبكات العامة فلا حياة للغة الارقام عندما تتحدث عن حجم الخسارة الفعلية لهذا النوع من الهدر لما قال فيه المولى جل في علاه «وخلقنا من الماء كل شيء حي». ثروة الماء لا تعوض اذا تسربت من بين أيدينا بسهولة، ولا يعرف قيمتها إلا من يعاني من اوقات الجفاف الصعبة كما تمر على بعض شعوب الارض وهي تخرج ألسنتها باحثة عن قطرة واحدة فقط تبل ريقها ولا تجد الى ذلك سبيلا في الارض الكاحلة او السماء التي أبت ان تمطر لسنوات. الماء يعني كل شيء باطلاق، فقد نصبر عن الطعام اياما متواصلة اما عن الماء فالحرمان منه يساوي الحرمان من الحياة إنسانيا وطبيا. ترى كم تبلغ خسارة دول الخليج من هذا الهدر للمياه في الشبكات العامة؟ فإليك آخر الاحصاءات التي اعلن عنها محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه في السعودية: ان دول الخليج تخسر يوميا اكثر من مليوني متر مكعب من المياه في شبكاتها العامة قبل وصولها إلى المنازل وتكلف أكثر من ثلاثة ملايين دولار يوميا، أي سنويا أكثر من مليار دولار لو تم توفير جزء يسير منه لدفعت التنمية وخططها الى الامام سنين عددا ولسدت بعض مصادر التمويل للمشاريع التي تنتظر قليلا من المال الناقص للبدء وقد تعجز الموازنات العامة لدول الخليج عن توفيرها بسهولة نتيجة الزعزعة الواضحة لاسواق النفط العالمية. فالامساك بالماء عن السيلان بدون ضوابط، يعني توفير المليارات من الدولارات في فترة زمنية قياسية، فهذه دبي استطاعت تخفيض الفاقد من شبكتها العامة للمياه من 42% في 1989 إلى 13% حاليا، موفرة بذلك اكثر من ملياري درهم بينما بلغت تكاليف الاصلاح والاستبدال 138 مليوناً، اي لا شيء مقابل الوفر بالمليارات. واذا كان هذا الفاقد من المياه والهدر يمثل فقط النسبة الخاصة في الشبكات العامة قبل وصولها الى المنازل، ولو تم البحث بتمعن أكبر لمعرفة الهدر الحقيقي لهذه الثروة بعد وصولها الى المنازل لكانت الارقام والاحصاءات والمبالغ تفوق الخيال، لأن الجمهور يتعامل مع هذه الثروة الفائقة القيمة بإهمال لا مثيل له، ولو ألقينا نظرة سريعة على الخادمة وهي تغسل الاواني في البيوت وضبطنا الساعة على الوقت الذي تترك فيه المياه تهدر على مزاجها، فان المنظر مريع لعشرات الجالونات التي تهدر فقط لتنظيف اناء او اناءين وعلى ذلك فلنقس.