حين اقتنيت الكتابين.. ودفعت في كل منهما «الشئ الفلاني» ثم أدركت ـ متأخرا بالطبع ـ أنني دفعت كثيرا.. لجأت الى الحيلة الساذجة التي يلجأ اليها غمار الناس وهي تعزية النفس والتماس تبرير للسلوك.. أي تبرير والسلام. الكتابان بعيدان عن أمور السياسة وقضاياها وهمومها وكم تصورنا أن في هذه الحقيقة ـ بحد ذاتها ـ ما يصلح مبررا للخمسين دولارا التي دفعناها نقدا وعدا من أجل اقتناء الكتابين.. ساعتها بدأت تأملاتنا الفلسفية.. الرصينة.. أو هكذا خيل الينا.. وقلنا أن السياسة في هذه الأيام أصبحت من القتامة والجهامة بحيث لا تسر عدوا ولا حبيبا.. وربما ينسر منها الأعداء الألداء على وجه الخصوص.. وكم شغلتنا شئون السياسة وأوجعتنا شجونها فلا أقل من أن نسري عن النفس ـ ولو قليلا ـ بمطالعة مواضيع بعيدة عن السياسة ولو على سبيل الترويح والتغيير. وكم كنا واهمين في هذا كله ـ فبدلا من أن تخالطنا هموم قومنا من اليعاربة وهي هموم اقليمية (بمعنى اقتصارها طبعا على المشرق والمغرب من وطننا اليعربي الكبير) اذا بالهموم المستجدة يتسع قطرها عبر المكان ويطول مداها عبر الزمان لكي تتسع البشرية كلها في كرة الأرض التي نسكن ربوعها وعلى امتداد قرون وأحقاب يعود بعضها الى مراحل سحيقة.. موغلة في القدم في زمن ما قبل التاريخ. كيف لا والكتاب الأول يحمل عنواناً يقول: - التبغ.. تاريخه وكيف وقع العالم (البشر) في حبائل غوايته. أما الكتاب الثاني فيحمل عنوانا آخر يقول: - الأفيون: حكاية وتاريخ. وعندنا أن هذه النوعية من الكتب تكتسب أهميتها بفضل خصوصية المواضيع التي تعرض لها.. وفي مقدمة ميزاتها تأتي قدرة كاتبيها على تقصي الجذور التي صدرت عنها آفة تعاطي الطباق والأفيون وكلاهما يوصل الفرد بل والجماعات الى هاوية الادمان.. وكلاهما يجسد ـ فيما نتصور ـ قصة الحماقة التاريخية للإنسان الذي يعرف الضرر ويحدده ويعين معالمه ثم يمضي اليه مفتوح العينين وربما لقاء لحظات يتصورهن من المتعة أو السعادة وهي لحظات موهومة ويمكن الاستغناء عنها بكل المقاييس. كتاب التبغ أو سفر الدخان والتدخين والمدخنين يبدأ مع أصل اكتشاف ومن ثم استخدام أوراق الطباق في مرتفعات جبال الانديز بمناطق بيرو وأكوادور في أمريكا الجنوبية (ما زالت هذه المرتفعات في القارة المذكورة ـ وفي كولومبيا بالذات تزود العالم، بل أنها تصيبه بكميات من الكوكايين وهو من أخطر سموم المخدر ـ البيضاء كما يسمونها عبر المكان والزمان). يقول مؤلف هذا الكتاب واسمه (إيان غاتلي) أن الانسان بدأ يستخدم أوراق التبغ منذ خمسة آلاف سنة تقريبا وأن التبغ فرض نفسه.. بحكم الاغراء أو بحكم العادة ليعبر المحيط الأطلسي الى غرب أوروبا ولتقرأ عن انتشاره في انجلترا ـ خاصة في العصر الاليزابيثي ـ زمن الملكة اليزابيث الأولى في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر وهو العصر الذي عاش فيه ـ كما لعلك تذكر شاعرهم الأكبر ويليام شكسبير وفي تلك الفترة ـ تقول حوليات التاريخ استخدم الناس الغليون ـ البايب أداة للتدخين ولم يدخنوا السيجار الفخم الضخم الذي اشتهربه بعد ذلك بعدة قرون زعيمهم المعروف ونستون تشرشل. ولما كانت انجلترا في تلك الأيام تستعمر أمريكا وعندما زاد الطلب على التبغ لزوم التدخين فقد اتسعت زراعته في منطقة فرجينيا الأمريكية التي جنحت الى التخصص في إنباته وتجفيفه وتجهيزه لزوم الحشو داخل غلايين المدخنين وأحيانا لزوم المضغ بين أشداقهم.. في تلك الفترة عام 1606 بالذات وهو نفس العام الذي أبدع فيه شكسبير رائعته الشهيرة ماكبث ـ تكونت شركة مساهمة هي شركة فرجينيا التي نصت في لائحة تأسيسها على أن هدفها هو إنشاء مستعمرات ناجحة تجاريا في أمريكا.. وكانت الشركة هي بمثابة الأخت الشقيقة لشركة الهند الشرقية التي سبقتها بستة اعوام فقط لا غير (تأسست عام 1600 وعاشت حتى عام 1858) وطيلة هذه الفترة كانت شركة الهند الشرقية تتمتع بترخيص مخصوص من البرلمان البريطاني ـ الديمقراطي جدا بطبيعة الحال ويتيح لها الترخيص باحتكار التجارة في نصف الكرة الشرقي بقدر ما تمتعت شقيقتها فرجينيا بنفوذ في نصف الكرة الغربي. وفي اطار تقسيم اللعبة كانت شركة الهند الشرقية تحتكر التوابل وبالمرة تحتكر النفوذ الى حد السلطة المدنية، بل والعسكرية أحيانا على أصقاع لا أول لها ولا اخر وتمتد من الهند حتى ضفاف الخليج العربي فيما كانت شركة فرجينيا تحتكر تجارة أمريكا الشمالية ومحاصيلها المختلفة التي كان في مقدمتها الطباق أو الدخان. ولما كان الدخان أو التبغ محصولا يحتاج الى عمالة كثيفة، ولما كانت المسألة تتبع قاعدة الكوميديان الشهير نجيب الريحاني بأن «الشئ.. لزوم الشئ»؟. ولما كانت العمالة قليلة العدد في المستعمرات الأمريكية «الرائدة» في تلك الفترة فقد احتاج الأمر الى عمالة مستوردة كثيفة ورخيصة ومطيعة.. وقادرة على اداء العمل الشاق في طقس مشبع بالحرارة والرطوبة وهو الجو المثالي لزراعة التبغ وتجهيزه.. ولم تكن تلك العمالة لتتوفر سوى من خلال نقل شعوب بأكملها من غرب أفريقيا بالذات وعبر المحيط الأطلسي الى سواحل أمريكا الشرقية وولاياتها الجنوبية بالذات.. وهكذا انفتح طريق الشر وأبواب الاستغلال لتدخل العبودية واسترقاق السود المجلوبين من افريقيا الى أمريكا وسط أسوأ الظروف التي ظل الأفارقة يعملون في ظلها وسط مزارع التبغ لحساب السادة البيض وما زال أحفادهم السود أو الأفرو ـ أمريكان كما يسمونهم الآن من باب التورية أو الكناية المخففة يدفعون هذا الثمن التاريخي الفادح حتى كتابة هذه السطور. هكذا يسرد الكتاب تاريخ التبغ وقد لطخته دماء الضحايا من أبناء افريقيا المساكين وحين يتابع وقائع هذا التاريخ يكاد يشير بأصابع الاتهام العشرة الى أن الدخان أساء الى السود حين جعلهم فريسة الاستغلال والقهر والعبودية والتهميش، فيما أساء الى الآخرين أيضا حين صدر الى سائر الأمم والشعوب منتوجات التبغ بين السيجارة والسيجار وحين تفنن المعلنون بل سبقهم الى هذه التفانين لفيف من الكاتبين والمبدعين ـ الى حيث توجوا السيجارة مليكة على عرش الحياة اليومية عبر مناشطها المختلفة وكم شهدنا الأفلام ـ خاصة أيام الأبيض والأسود وقد جللتها سحابات الدخان السجائري البيضاء.. يصادف البطل مشكلة فإذا به يشعل سيجارة من عقب سيجارة.. يسندون دور الاغراء الى حسناوات ذلك الزمان.. هل تذكر مثلا زوزو شكيب أو هند رستم أو هاجر حمدي واضرابهن فإذا بالسيدة اللعوب لابد وأن تتكلم فيما تنفث دخان سيجارتها ذات العادم الحلزوني الذي تتابعه عدسة الكاميرا في صبر عجيب لزوم تكثيف الغواية.. والاغراء طبعا بلغ الأمر الحد الذي دفع عبدالوهاب الى أن يرسل في أواخر الأربعينيات أغنيته الشهيرة بعنوان «الدنيا سيجارة وكاس» والأغنية كان مصيرها المنع في اذاعات القاهرة وكان السبب هو حكاية الكاس بدليل أن فنانا آخر هو المرحوم الملحن محمد الموجي أصدر أغنية أخرى وغناها بصوته في عقد الستينيات ويقول مطلعها في محاولة لتلخيص متعة الحياة: - فنجان شاي.. مع سيجارتين.. ما بين العصر والمغرب (تأمل كيف كان القوم في غاية القناعة في تلك الأيام الخوالي)! وهي أيام كانت بعيدة عن انتشار الوعي الذي بات يملأ أرجاء الكرة الأرضية حاليا حول أخطار التدخين من ناحية الصحة واهدار الأموال ومشكلة التعود التي توصل بالجسم ـ بعيد عنك ـ الى آفة الإدمان. ورغم أن محاكم أمريكا أمرت بدفع تعويضات مليونية طائلة لعشرات من مواطنيها الذين اثبت أطباؤهم أنهم أضيروا من جراء إدمان التدخين، ورغم أن شركات التبغ واحتكارات السجائر الأمريكية وهي مصالح بحجم المليارات هي التي تحملت تلك التعويضات.. فالسؤال لا يزال مطروحا وهو: ماذا يجدي المرء من طائل الأموال بينما خسر رئتيه وتدهورت صحته؟ لا عجب أن توصل القوم الى أن التدخين هو مسئولية المدخن نفسه أولا وقبل أي طرف آخر. بل العجب هو ما لاحظناه في أمريكا مثلا من أن الطرف الذي يشن ويمول وينظم حملات مكافحة التدخين هو شركات التبغ واحتكارات السجائر شخصيا.. ربما لابراء الذمة أو ربما لتسجيل موقف ايجابي أو ربما من باب تأنيب الضمير، أو ربما ـ وهذا هو الأرجح ولدينا ما يؤكده ـ لأن هذه الشركات شبعت بل اتخمت أرباحا من السوق الأمريكية ومن ثم لم يعد يهمها سوى تصدير منتوجاتها الطباقية الى شعوب أوروبا الشرقية التي أصبحت «حريقة تدخين» وشعوب الشرق الأوسط ومنها قومنا من اليعاربة الميامين.. ناهيك عن السوق التي ما برحت كل الاحتكارات الأمريكية تتلمظ من أجلها وتتشوق للنشاط بين ظهرانيها وهي سوق البلد الملياري السكاني الذي يحمل اسم.. الصين.. أيا كان الأمر فقد أبرأ مؤلف كتاب التبغ ذمته وقصّ على قارئيه حكاية السيجارة من أولها وأجره من بعد على مولاه.. وحسبه وحسبنا أن نردد في هذا السياق بيت الشعر الذي ساقه شكسبير في مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» وقال فيه: يا إلهي كم تبلغ الحماقة بهؤلاء البشر!