خيراً فعل وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم الاسبوع الماضي في الرياض باصدار دعوة الى عقد مؤتمر دولي لاصدار تعريف عالمي محدد ودقيق للارهاب ليكون مرجعية دولية ثابتة. واذا كانت المسألة المحددة المباشرة التي دفعت الوزراء الخليجيين الى اصدار هذه الدعوة الجادة في بيانهم الختامي هي ضرورة التفريق بين الارهاب والنضال الوطني ضد سلطة احتلالية اجنبية، فإن مسائل اخرى، ظاهرة او غير ظاهرة، قد تحتاج الى مثل هذا الاستجلاء ـ العمل الخيري الاسلامي مثلاً. هناك كما نعلم عشرات من المؤسسات الطوعية التي باتت مؤخراً موضع شبهة عالمية بأنها ضالعة في تمويل جماعات متهمة بأنها تمارس نشاطاً ارهابياً. وقد نفى القائمون على امر هذه المؤسسات مراراً وتكراراً هذه الشبهة قائلين ان نشاطها ورسالتها محصوران داخل العمل الخيري الانساني اقتداء بالمبادئ الاسلامية. وفي غياب تعريف عالمي مرجعي لماهية الارهاب يتعذر اصدار حكم قاطع بشأن هذه المؤسسة او تلك، سواء لها او عليها. غير ان هناك حالات معينة تستلفت الانتباه حقاً. ومن احدث الاخبار في هذا الصدد دعوى قضائية داخل الولايات المتحدة رفعها اصحاب جمعية اسلامية، بعد ان جمدت اموالها في البنوك الامريكية بواسطة مكتب التحقيقات الفيدرالي بحجة ان الجمعية تقوم بتمويل تنظيمات «ارهابية» في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وسوف يكون حكم المحكمة في كل الاحوال، سواء لصالح هذه الجمعية او ضدها، ذا اثارة خاصة لأن «التنظيمات الارهابية» هي في الحقيقة ـ كما يقر بذلك رجال مكتب التحقيقات ـ مؤسسات خيرية تابعة لحركة «حماس» توزع ما يصل اليها من اموال في الولايات المتحدة على اسر الشهداء. وعنصر الاثارة الذي من المحتم ان يترافق مع اصدار حكم المحكمة في هذا الاتجاه او ذاك، هو ان القضية سوف تمثل سابقة تلقي بظلالها على مفهوم الارهاب. ففي كل الاحوال يجب ان يقرر القاضي ما اذا كانت «حماس» تمارس ارهاباً اجرامياً او نضالاً وطنياً مشروعاً ضد احتلال اجنبي. وماذا تقول حكومات العالم الاسلامي اذا قررت المحكمة الامريكية ان «حماس» وفروعها الخيرية كلها منظمات ارهابية؟ من هنا ندرك اهمية دعوة مجلس التعاون الخليجي الى ضرورة عقد مؤتمر دولي للتوصل الى تعريف عالمي لمعنى الارهاب. ونأمل ان تتجاوب دول الجامعة العربية ودول منظمة المؤتمر الاسلامي مع هذه الدعوة حتى يقدم الاقتراح بصورة جماعية الى مجلس الامن الدولي. ان الدول العربية والاسلامية هي المعنية اكثر من غيرها بأن يكون هناك تعريف مرجعي عالمي للارهاب، فالعشرات من المنظمات والاشخاص المشتبه فيهم امريكياً بأنهم يمارسون الارهاب او يقومون بتمويله كلهم مسلمون، عرباً وغير عرب. وفي غياب مثل هذا التعريف فإن الخاسر الاكبر هم العرب والمسلمون. فالولايات المتحدة تتعمد ان يظل «الارهاب» ظاهرة هلامية غامضة المعالم وبلا حدود مرسومة، حتى تكون على الدوام في موقف يمكنها من استقصاء اي منظمة او اي شخصية تصنفها واشنطن كخصم او عدو من منظور المصالح اوالاستراتيجيات الامريكية فحسب. ويكفي ما نرى ونسمع. فكل فصائل المقاومة الفلسطينية وكل المنظمات الفلسطينية التي اتخذت موقفاً معارضاً لاتفاق اوسلو مدرجة على القائمة الامريكية الرسمية للمنظمات «الارهابية» جنباً الى جنب مع «حزب الله» اللبناني. وبينما تقوم اجهزة الاستخبارات الامريكية بحملة حول العالم لضبط وملاحقة اي مؤسسات اسلامية تنشط في مجال جمع تبرعات للمقاومة الفلسطينية او اسر الشهداء، فانها تعزف عن مساءلة ما لا يحصى من الجمعيات اليهودية التي تمارس نشاط جمع التبرعات داخل الولايات المتحدة نفسها وعلناً لصالح القوات المسلحة الاسرائيلية. ولايزال السؤال مفتوحاً: ما هو الارهاب؟