فور وصوله الى رئاسة الوزارة، اعتبر أرييل شارون في أحد تصريحاته أن ماأسماها بحرب استقلال اسرائيل لم تكتمل بعد، ولم يتنبه الكثيرون الى مغزى، هذا الطرح في حينه وعندما أشرنا في بعض الملتقيات الى أن شارون يستهدف التعبئة الداخلية والخارجية لاستئناف عملية تصفية الحقيقة الفلسطينية ووصل ما انقطع من هذه العملية منذ 1948، بما في ذلك ازالة دواعي الانشغال بحق العودة الفلسطيني وابرز معالمها مخيمات اللاجئين، لاسيما تلك الواقعة تحت طائلة الاحتلال في الضفة وغزة ومحيط القدس، عندما توقعنا ذلك، كان الرد الأبرز أن هذا التوقع مبالغ فيه ويتناقض والمستجدات التي لا تسمح بهكذا برامج اسرائيلية. ويبدو أن الذين استبعدوا تعرض حكومة شارون لعقبة المخيمات، الشاهد المزمن على النكبة الفلسطينية، التي يدعوها شارون ومعظم النخبة الحاكمة الاسرائيلية بحرب الاستقلال، انطلقوا من استحالة استئصال الوجود العضوي لهذه العقبة وهم محقون في ذلك. ان راحب الضفة وغزة تضم 34 مخيما على مساحة تقارب 12 ألف دونم، الدونم 1000م2 ، ويقطنها زهاء 750 ألف لاجئ بخلاف اللاجئين المقيمين خارج المخيمات وهذه كتلة ديمغرافية كبيرة بمقاييس القضية الفلسطينية، لا يمكن سحقها بسهولة في اطار المعطيات المحيطة، فلسطينيا واقليميا ودوليا. لقد فشلت الحملة الصهيونية في تحقيق هذه الغاية وهي في أوج انتصاراتها وهزيمة العرب والفلسطينيين، فكيف يتأتى لها ذلك، بعد أن تبلورت الهوية الفلسطينية وباتت في مأمن من النكران والضياع. ثم انه حتى اذا ماتمكن شارون وزمرته الارهابية من تخبئة لاجئ الارض المحتلة عام 1967، فإن اخفاء بقية معالم اللجوء الفلسطيني في مشارق الأرض ومغاربها مسألة تخرج عن قدرته ان قوام هذه البقية نحو 4 ملايين لاجئ، يعش ثلاثة أرباعهم على مرمى النظر من مساقط رؤوسهم في فلسطين التاريخية، وليس هناك مايوحي بتخليهم عن حق العودة اليها. يفترض هذا التحليل انه لا يمكن أخذ تصريح شارون على محمل الجد، وبخاصة اذا ماتم تقدير نواياه بأنها تتعلق بتصفية الملاجئ المخيمات في الضفة وغزة بشكل كلي غير أن مقاصد هذا الرجل الشرير لم تكن يوما على هذا النحو، هو يتبنى مخططا للتخلص من عبء اللاجئين لا يقوم على فكرة الابادة العضوية. التي يعز تنفيذها، وانما على تذويب مفهوم اللجوء من حيث الشكل والمحتوى انه يتصور أن مجرد تقويض المخيمات من ناحية، والحاق قاطنيها بجوارهم القروي والمدني من ناحية ثانية، والتصفية الجسدية للكوادر النشطة بذاكرتها أو بممارساتها حول قضية اللجوء من ناحية ثالثة، اجراءات كافية بقتل النزوع الى العودة ودحر البيئة المساعدة على ديمومة هذا النزوع بمرور الزمن. شارون في تصوره السطحي هذا، ليس بدعا من أنماط تفكير النخب الصهيونية التي أرقتها قضية اللاجئين منذ 1948. لكنه للحقيقة كان ومازال الأكثر عكوفا عليها ودأبا على محاولة تطبيقها عمليا كلما سنحت له فرصة لذلك ونحن ان أعدنا تأمل التاريخ السياسي لهذا الرجل غداة عام 1967، أمكننا حصر ثلاث من المناسبات، التي احسب أنها مواتية للمضي قدما في تمرير هذا التصور بشكل أو آخر. كانت أولاها في مستهل سبعينات القرن الماضي، حين أشرف، بصفته قائدا للمنطقة الجنوبية، على عمليات تهجير سكان المخيمات في قطاع غزة الى منطقتي الضفة والعريش شمال سيناء المحتلة آنذاك وبعض ضواحي مدن القطاع وهكذا ظهر في اطار هذه العملية مشروعات الاسكان البديل للاجئين التي عرفت بأحياء البرازيل وتل السلطان قرب رفح والشيخ رضوان في غزة والأمل في خان يونس وتحت زعم توسيع الشوارع أقدم شارون على جرف المئات من بيوت اللاجئين، مدعيا أنه يسعى الى تحويل سكانها الى مشروعاته الاكثر ملاءمة لمستقبلهم. المناسبة الثانية، جرت في سياق الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 وهي أشهر من ان نسهب حولها اذ المعروف أن شارون، بصفته وزيرا للدفاع هذه المرة، هو المسئول عن جريمة تدمير معظم مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان، وصولا الى الضلوع في مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا على مشارف بيروت وهي جريمة الحرب التي تلاحقه الى يومنا هذا في المحاكم البلجيكية وغيرها من المحافل الحقوقية.أما المناسبة الثالثة فكانت اثناء توليه وزارة البنية التحتية في حكومة بنيامين نتنياهو 1996 ـ 1999 وفيها دعا جموع اليهود الى السيطرة على رؤوس التلال في الأرض المحتلة واستيطانها كما انشأ عددا كبيرا من مشروعات الطرق الالتفافية واضعا في اعتباره تضييق الحيز الجغرافي، لسكان مخيمات اللاجئين والتنغيص على حياتهم وقطع سبل التواصل فيما بينهم، أملا في اكراههم على الرحيل وهجران حياة اللجوء، وماتستدعيه من الصلابة خلف حق العودة. إذا صح هذا التحليل، فإن شارون على قمة صناعة القرار في اسرائيل في الوقت الراهن، يضطلع باستئناف مخططه مجددا، وفي اجواء يظنها مواتية جدا لتخفيف مخيمات اللاجئين، منابع استمرارية الاستعصام بحق العودة، ولأنه ينظر الى هذه الاستمرارية بصفتها أكبر معوقات الاعلان النهائي عن استيلاء الدولة الاستيطانية اليهودية على أراضي اللاجئين وممتلكاتهم منذ 1948، فإنه يدعى ان استقلال هذه الدولة لم يكتمل هو ـ بصيغة أخرى ـ يؤمن بالمقولة الدارجة بأنه ماضاع حق وراءه مطالب ومن ثم فإنه يرى ان ملايين عيون اللاجئين الفلسطينيين ووجداناتهم المعلقة بأرضهم تحت الاحتلال الاسرائيلي، تجرح مفهوم الاستقلال الاسرائيلي، وعليه، فإنه كي يصفو استقلال هذه الدولة ويصح، لابد من وأد المطالبين بحقوق للاخرين فيها، وأكثر هؤلاء الحاحا وحجية، تاريخيا وقانونيا، هم اللاجئون. نكرر أن شارون لا يتفرد بهذا الادراك على الصعيد الصهيوني لاسرائيل العام بيد أنه مازال مشدودا الى وهم امكانية تذويب قضية اللجوء الفلسطيني وفي تقديره راهنا ان المناخ الدولي المشغول بحملات الحليف الأمريكي ضد ما يوصف بالارهاب الدولي، يسمح له بتجديد مشروعه القديم ومن دلائل ذلك، مايشيعه اعلاميا وسياسيا مع أركان قيادته الارهابية، ان مخيمات الضفة وغزة هي ملاذات لايواء الارهاب الفلسطيني، تماما مثلما هو حال جبال افغانستان مع قوات القاعدة، وان السلطة الفلسطينية هي طالبان التي تحمي الارهابيين في الحالة الفلسطينية! على أن الحقائق الكبرى لا تتوارى بأماني شارون ولا بمزاعمه ولا باجرامه وارهاب الدولة التي تقودها مجازره في غزة السبعينيات ولا في بيروت الثمانينات ولا في مناطق الحكم الذاتي بعد أوسلو، وصولا الى حملته الحالية، هذه كلها لم تفلح في طي ملف النكبة الفلسطينية ولم تغير عنوان ماجرى في عام 1948 والأعوام التالية الى استقلال اسرائيل فبينما هو ماض في حربه الدموية بين يدي مخيمات الأرض المحتلة، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، رمز الشرعية الدولية وممثل ارادة القانون الدولي أن على اسرائيل ان تكف يدها عن الشعب الفلسطيني وان تنسحب من الاراضي التي استولت عليها عام 1967 كوفي عنان ممن لا يمكن اتهامهم أو وصفهم بالتحيز للفلسطينيين. لكنه الرجل أبى على منصبه وتاريخه الحقوقي أن يكتم شهادة حق، وهو يتأمل فعلة اجرامية يقوم بها رجل موسوم بجريمة الحرب على رأس كيان ارهابي يمارس اخر الاحتلالات في عالمنا المعاصر ترى هل تكفي هذه الشهادة كي يدرك شارون وصحبه نتيجة مخططاتهم؟! ـ كاتب فلسطيني