كنت قابعاً في غرفتي في الفندق في جنيف على المكتب وسط اكوام من الاوراق والكتب المفتوحة اقارن بعض التواريخ والاحداث واحاول الربط بينها حينما دق جرس الهاتف، فأخذني مما كنت فيه واجبت بتثاقل، فإذا بأحد الاصدقاء المقيمين في جنيف يقول لي: من المؤكد انك غارق بين الكتب والأوراق، وقبل أن اجيب واصل قائلا: عليك الآن ان ترتدي ملابسك فوراً وسأكون عندك خلال عشرين دقيقة حتى نذهب لزيارة معرض السيارات الدولي الذي افتتح قبل ايام في جنيف، والذي يعتبر مع معرض فرانكفورت اهم معرضي سيارات في العالم، وليس من المعقول ان يأتي اليه مئات الآلاف من الزوار من اطراف الدنيا لمشاهدته وانت هنا ولا تشاهده قاضيا معظم وقتك بين الاوراق، قلت له: صحيح .. لقد واجهت مشكلة في الحصول على غرفة مميزة في الفندق حال وصولي وكان مدير الاستقبال ذو الاصول العربية قد ابلغني ان السبب يعود الى ازدحام الفنادق بسبب معرض السيارات، ورغم انه دبر لي ما أريد فيما بعد، الا اني لم اهتم بالسؤال عن معرض السيارات او اهميته، كما أتى بعض الخليجيين الذين التقيت بهم في بهو الفندق وابلغوني انهم قادمون خصيصاً من أجل معرض السيارات ومع ذلك فلم أهتم لضيق وقتي وانشغالي، قال صاحبي: لا .. عليك ان تهم وان ترتدي ملابسك الآن وتدعك مما انت فيه. لن اتحدث عن المستوى الراقي للنظام وعدم الشعور بالزحام رغم ان الزائرين الوافدين من كل انحاء اوروبا ودول اخرى يقدرون يومياً بعشرات الآلاف، في القاعة الاولى عرضت الشركات احدث المستلزمات الميكانيكية والخدمية لصيانة السيارات، وفي القاعة الكبرى كانت احدث الطرازات من افضل انواع السيارات تتلألأ تحت الاضواء، وكان اول ما لفت نظري هو ان اللغة الانجليزية شبه غائبة في المعرض والتركيز كله على لغات أوروبا الرئيسية الالمانية والايطالية والفرنسية، وبدا أن شركتي «مرسيدس بنز» و«بي.ام.دبليو» الالمانيتين لا يتنافسان في الخليج فقط وانما هنا ايضا حيث يجتذبان اكبر قدر من الزوار حيث عرضت مرسيدس التعديلات الجديدة على موديل «إي كلاس» و«إس كلاس» الذي لم يعد قائده في حاجة الى مفتاح لقيادة السيارة وإنما كل شيء باللمس عبر بطاقة توضع في الجيب. اما «بي. إم.دبليو» فقد عرضت طرازها الجديد «760 آي.ال» الفخم دون اعطاء تفصيلات كثيرة، وفيما تركت كل الشركات تقريباً ابواب السيارات مفتوحة لكل من يريد ان يجلس داخل السيارة ويطلع على ما فيها فإن «فيراري» و«بنتلي» احاطتا سياراتهما بسياج وكأنهما تقولان للزائرين «ممنوع اللمس الا لمن يملك الثمن او اراد الشراء بشكل جاد». شيء هام لاحظته ووقفت عنده كثيراً، هو ان معظم التغييرات التي ادخلتها الشركات سواء من ناحية الشكل أو المحتوى الداخلي القائم على مزيد من الامان والراحة وتوفير الوقود تكاد تكون متشابهة، وهذا ما اعادني الى حقيقة النفقات الهائلة التي تنفقها الشركات الغربية الآن في مجال التجسس على الشركات الاخرى للحصول على ما لديها من معلومات، كما ان الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية تقوم برصد ما يدور في اطراف الدنيا بين الشركات بهدف تقديم معلومات للشركات الامريكية حتى تستفيد منها في انشطتها الصناعية وصفقاتها التجارية، وقد تفجرت ازمة كبيرة بين اوروبا والولايات المتحدة بداية العام 2000 حينما ادلى الصحفي البريطاني دونكان كامبل بشهادته امام البرلمان الاوروبي في فبراير 2000 حول التجسس الذي تقوم به قاعدة «ايشلون» الامريكية لرصد المعلومات والتي يقع مقرها في بريطانيا حيث تقوم برصد ملياري مكالمة هاتفية يوميا بينها كم هائل من المكالمات التي تتعلق بالشركات الاوروبية وعلاقتها بعملائها، وأكد كامبل في شهادته التي اثارت ضجة كبيرة آنذاك ان امريكا تمارس التجسس الصناعي على دول أوروبا الخمس عشرة وان هناك شركات اوروبية خسرت صفقات كبرى بعدما تسربت المعلومات الى شركات امريكية قامت بخطف الصفقات منها، وهذا ما دفع المستشار الالماني جيرهارد شرودر الى الدعوة لمواجهة قراصنة المعلومات الذين اصبحوا بفضل التقنية العصرية يصلون الى مخازن المعلومات في كل مكان، ورغم أن اوروبا انشأت نظام «هيلوس» للتجسس رداً على نظام «ايشلون» الامريكي الا ان هناك بعض الصعوبات التي تجعل مستوى «هيلوس» اقل بكثير، لكن النقطة الهامة هنا هو ان مستوى التجسس الصناعي وسرقة الابتكارات والمعلومات المخزنة على اجهزة الكمبيوتر لدى الشركات اصبحت حرفة كبيرة، ورغم ان شركات كثيرة تفلح في استحداث طرازات مميزة الا ان سرقة الافكار والتصاميم والتشابه في كثير من انظمة الامان وحتى الاشكال الخارجية لاجسام السيارات واشكال فوانيس الاضاءة والعدادات ونظام المقاعد اصبح شيئاً واضحاً حتى لغير الخبراء في السيارات من امثالي. وقفت في مكان مرتفع داخل القاعة الضخمة ورأيت كل شيء بوضوح، السيارات والناس والنظام الهائل فأصابتني غصة من آخر معرض رأيته في العالم العربي وهو معرض القاهرة الدولي للكتاب حيث الفوضى ضاربة اطنابها في كل مكان لكن اصابتني غصّة اكبر حينما اخذت اطالع شركات السيارات والدول التي تنتمي اليها وسألت السؤال الذي يؤلم كل عربي .. أين نحن العرب؟ الى متى نظل في ذيل الأمم ونحن نملك كل مقومات ريادتها؟ الى متى نظل غائبين عن كل ماله علاقة بالتقدم والصناعة والحضارة؟ إلى متى نظل امة مغيبة عن كل شيء؟ ـ كاتب واعلامي مصري