أن يكون المرء في البحرين ومدعوا من قبل اليابانيين بالذات وان يناقش لمدة يومين فيها وفي أجواء انفتاحية تميز عصر الاصلاحات الجديد في مملكة دستورية قررت مواكبة «عصر المشاركة السياسية» كما حدثنا وزير خارجيتها «المخضرم». وان يناقش في مثل هذه الاجواء الحيوية المتحركة والسيالة موضوعا بات أشبه بالماء اللازم لاستمرار الحياة في عالم العلاقات الدولية وهو موضوع «الحوار بين الثقافات والحضارات» فإن ذلك يعني فيما يعني بأن «عصر التحولات» المتسارعة بات يجمعنا في «توفيق اجباري» كما يقول المثل الايراني الحديث في اطار «مركبة واحدة» أو «مركب واحد» وهذا يعني فيما يعني ايضا بأننا إما ان نعيش سوية أو نغرق جميعا. الاعتراف بوجود الآخر ولما كنا مصممين على العيش سوية فإنه لابد لنا ان نقر ونعترف بوجود الآخر بين صفوفنا محترما مقدرا وصاحب رأي مسموع أيا كان رأينا أو موقفنا من رأيه. لقد نجح اليابانيون إذن في اختراق «الحصار الدولي» الذي حاول البعض فرضه على المسلمين والعرب من خلال اتهامهم «بالجملة» بالارهاب وأخذهم جميعا بجريرة ما فعله أو لم يفعله «السفهاء» من بني جلدتنا اجتهادا كان ذلك أم تحميلا للاسلام بما لا يحتمل. لقد قال لنا اليابانيون على مدى يومين من الحوار المعمق في جو «بحريني منفتح ومتميز» بأنهم لا يشاطرون الآخرين من أصحاب «الحضارة الغربية» ممن يتهمون الاسلام والمسلمين بالارهاب وبمعاداة «المدنية الغربية» والاعتراض على كل ما هو «حداثة» بل انهم يتفهمون جيدا بأن الموقف العربي والاسلامي من بعض الغرب أو حتى كله ان وجد مثل هذا الموقف (وهو موجود بقوة لدى البعض) إنما سببه الموقف المنحاز بالمطلق لدولة الاحتلال والعدوان والجريمة والعنصرية اسرائيل. بالمقابل فإننا شهدنا وعلى مدى يومين طويلين «حكمة بحرينية» جديدة علينا وان تكن كامنة منذ زمن بعيد في التقاليد البحرينية المعروفة لشعب حضارة الدلمون العريقة، حكمة الجمع بين عقل الحكم وضروراته وعاطفة الجمهور وقلب الشعب النابض بالحيوية على الدوام المعروف بطلائعيته المشهودة في العمل الديمقراطي منذ اوائل الخمسينيات. في البحرين الصغيرة بخارطتها لكنها الكبيرة بتنوعها كما اكتشفنا خلال اليومين المشار اليهما سواء من خلال المشاركة النخبوية في الندوة او من خلال الزيارة الخاطفة للمدينة الجميلة المنامة، وانني ازورها لاول مرة بالمناسبة، في البحرين هذه اكتشفت فيما اكتشفت بأن هناك تعايشا منقطع النظير للأديان والمذاهب والاعراق والثقافات على مساحة لا تتجاوز عدة كيلومترات مربعة. حيث يعيش العرب «السنة» الى جانب العرب «الشيعة» الى جانب العجم «الشيعة» والعجم «السنة» وتحيط بهم مدينة عربية و«كنيسة» او اثنتان وكلهم بحرينيون لا يشعرون بحاجة الانتماء الى الخارج او بعقدة الانبهار به، بل يستوعبونه داخلهم ويحتضنونه بل وحتى يضمونه بكل حنان آخذين بعين الاعتبار في الوقت نفسه بأنهم يظلون بحرينيين اصيلين وطنيين متمسكين بكل ثوابت التعايش المشترك او العيش المشترك في اطار مواطنة ترقى الى مستوى لا تقل في شيء عن مثيلاتها «الغربية المدنية» التي تتباهى بها اممهم او هكذا يأمل اهل الحكم وأهل المجتمع المدني على السواء في بحرين ما بعد عصر الاصلاحات الذي بدأ طموحا ويأمل الجميع ان يمضي قدما نحو الامام. تحديات مشتركة «بحرين» اذن او قل بحران جمعانا في حوار شيق وهادف بحر الاسلام وبحر اليابان في محاولة حوارية تهدف الى جمع القلوب والافئدة ووصلها وتحدي حصار احتكار الفكر والرأي وقطب القوة الواحدة في العالم. وقد شكلت عناوين الندوة مؤشرات على ضرورة تجاوز التحديات المشتركة التي تواجه العالم الاسلامي والياباني وفي طليعتها كيفية مواجهة العولمة والتعاطي معها دون ان يفقد الواحد منا هويته وتقاليده وثقافته وقيمه الذاتية. وقد اتفقنا في نهاية المطاف ان ذلك ممكن، شرط ان يقبل الواحد منا بأن الاختلاف سنة كونية يجب الاقرار بها وان التنوع امر محمود وانه لا سبيل للاستمرار في العيش على هذا الكوكب الا بالحوار المفتوح وبلا حدود بين الرأي والرأي الآخر واحترام كل طرف للطرف الآخر وبحقوق متساوية ومعادلة متكافئة. ان نكون او لا نكون في عالم اليوم اذن يكاد ينحصر في قبول واحترام وتبني مقولة الحوار بين الثقافات وايصالها الى محطة الامان والامن والاستقرار الدائم. حتى الذين امتشقوا سيوفهم واطلقوا مدافعهم لم يعد امامهم بعد كل ما فعلوه الا ان يجلسوا حول طاولة الحوار يسمعون للآخر مكرهين لانهم ان لم يكتشفوا بعد فإنهم سيكتشفون عما قريب بأن الآخر موجود وغير قابل للفناء مهما حاولوا اقصاءه، وكما يقول المناطقة «ان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود» فإن لم يتمكنوا من رؤيته اليوم فانهم سيرونه مجبرين حتى من تحت ركام الدمار ومن تحت رماد الحرائق والنيران، والعاقل هو من يتدارك هذه المقولة مبكرا. وهذا ما فعله البحرينيون واليابانيون في ندوة المنامة. ـ كاتب ايراني