في توقيت مدروس بعناية استصدرت الولايات المتحدة الأمريكية القرار 1397 من مجلس الأمن والذي يؤكد على (رؤية) تتوخى منطقة تعيش فيها دولتان: اسرائيل وفلسطين، ضمن حدود آمنة ومعترف بها. القرار رحبت به السلطة الفلسطينية واسرائيل في وقت واحد.. ولكل أسبابه، فالسلطة رأت في الاعتراف الدولي بحتمية قيام الدولة الفلسطينية خطوة متقدمة، كما رأت في قيام الولايات المتحدة بالتقدم - لأول مرة - لاستصدار قرار من مجلس الأمن حول الوضع الفلسطيني.. اعترافاً أمريكياً بدور مطلوب وضروري للامم المتحدة كانت واشنطن تعارضه باستمرار وهي تسعى للانفراد بالقرار في تقرير مصير الشرق الأوسط. واسرائيل - من جانبها - رأت في القرار استمرارا للسياسة الأمريكية المنحازة لها، ونجاحا لجهودها وجهود أمريكا في فرض سياسة الأمر الواقع على الجميع. فالقرار الذي صدر بالاجماع - ماعدا تحفظ سوريا - لم يتطرق بأي شكل الى المجازر التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ولم يستنكر سلوكها الاجرامي، ولم يتطرق الى القضية الأساسية وهي انهاء الاحتلال الاسرائيلي. وكل مافعله القرار أن ساوى بين القاتل والقتيل حين طالب بايقاف جميع اعمال العنف، ثم تحدث بعد ذلك عن اعمال الارهاب والاستفزاز والتحريض والتدمير، وهو مااعتبرته اسرائيل انتصارا حاسما لها، خاصة أن القرار لم يطالبها حتى بالانسحاب الفوري من مناطق السلطة الفلسطينية، ولم يحملها أي مسئولية عما يجري. أما النص على الدولة الفلسطينية، فهو - من وجهة نظر اسرائيل - تحصيل حاصل، وسبق لأمريكا أن أعلنته أكثر من مرة، وهو هدف عملية أوسلو وضمن برنامج حزب العمل، بل أن شارون نفسه لم يمانع في ذلك، وأعلن موافقته على دولة فلسطين ولكن بشروطه! المهم - من وجهة نظر اسرائيل - ان القرار اكتفى بـ (الرؤية) ولم يتعرض لحدود هذه الدولة ولا لموعد اعلانها، وترك الأمر كله لمفاوضات لا يعرف أحد متى تنتهي، وستحدد نتائجها موازين القوة التي تفرضها اسرائيل - بدعم أمريكا الكامل - على الأرض! ولو كان هذا القرار قد صدر في ظروف عادية لكان التركيز على (ايجابياته) أمرا مقبولا ومطلوبا، أما أن يصدر القرار والشعب الفلسطيني يتعرض لحرب ابادة تمارس فيها اسرائيل أبشع الاساليب النازية فيكتفي بالاعراب عن القلق والمطالبة بوقف اطلاق النار دون انسحاب القوات الاسرائيلية، فهو أمر يكشف عن استمرار الانحياز الأمريكي لاسرائيل ويفضح (رؤية) حقيقية تتكامل فيها الاستراتيجية تعبيرا عن رؤية (مشتركة) بين واشنطن وتل أبيب!!! ولو كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لموقف جديد تصحح فيه أخطاء الماضي لكان هدفها الأول هو ايقاف هذا العدوان الهمجي الذي ما كانت اسرائيل تقوم به لولا موافقة أمريكا، وما كانت لتستمر فيه لولا تشجيع واشنطن التي كانت تتقدم بهذا القرار الى مجلس الأمن، في نفس الوقت الذي تؤجل فيه زيارة مبعوثها للمنطقة أياما حتى تتمكن القوات الاسرائيلية من اقتحام (رام الله) وباقي أراضي السلطة الفلسطينية وتوسيع نطاق عملياتها الاجرامية أملا في أن يكون المطلب الوحيد للفلسطينيين بعد ذلك هو (التوسل) لايقاف المذابح كما يأمل السفاح شارون. وليصبح ايقاف المذبحة والقبول بشروط الاذعان الاسرائيلية هو (الانجاز) الذي تحققه الجهود الأمريكية! ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لخطوة جادة على سلام حقيقي، لكان قرار مجلس الأمن، أو بالأصح قرارها هي، الذي لم تكن بحاجة لفرضه على المجلس، هو ادانة المجازر الاسرائيلية والمطالبة بوقف فوري لهذا العدوان الذي ينتهك كل القوانين والقواعد الدولية، ولوافقت على ارسال مراقبين دوليين بعد ان استخدمت الفيتو لمنع الامم المتحدة من ارسالهم، وقررت أن تترجم (رؤيتها) للدولة الفلسطينية بأن تكون في حدود الرابع من يونيو 1967 كما تقضي قرارات الشرعية الدولية التي لن يكون هناك سلام حقيقي الا بتطبيقها. لكن الولايات المتحدة اكتفت بالقرار حول (رؤية) لدولة فلسطينية، قد يكون - في حد ذاته - خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن لن يعني شيئا اذا بقي مجرد قرار (نظري) وبدون ايجاد الآليات اللازمة لوضعه موضع التنفيذ مع غيره من قرارات مجلس الأمن التي ترفض اسرائيل - بدعم امريكي كامل - تنفيذها، بما فيها القرارات التي تكرر ذكرها في قرار مجلس الأمن الاخير وهي القرار 242 لعام 67، والقرار 338 لعام 73 والذي يكفي تنفيذهما لانهاء الاحتلال واعطاء الشعب الفلسطيني حقه المحتوم في تقرير المصير. خداع الرأي العام قرار (الرؤية) التي كانت أمريكية فأصبحت دولية، لم يوقف المذبحة الاسرائيلية، ولم يفتح الباب الحقيقي للتسوية العادلة التي لم تتم الا بتحقيق الحد الادنى من المطالب العربية وهو الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو 67 والاقرار بحق العودة للاجئين، ولكنه يقدم غطاء يسمح للمبعوث الأمريكي زيني بأن يأتي للمنطقة فيطلب من الفلسطينيين القبول بوقف اطلاق النار والعودة للمفاوضات مع الاسرائيليين في ظل الاحتلال الكامل لاراضي الضفة والقطاع، وفي ظل الحصار المهين المفروض على عرفات، وفي ظل حمام الدم الذي سال وآلاف المعتقلين الفلسطينيين الذين أهدرت آدميتهم واقتيدوا لغرف التعذيب الاسرائيلية. ولم تتحرك واشنطن لطلب انسحاب اسرائيل من اراضي السلطة الا بعد استكمال العدوان الهمجي، وبعد ادراك أمريكا أنه لا جدوى من مهمة زيني أو غيره في المنطقة مع استمرار المذبحة، وبعد الرفض الفلسطيني القاطع لأي مفاوضات في ظل احتلال اراضي السلطة، وبعد أن وضح لواشنطن ان كل الهمجية التي اتصف بها العدوان لم تنجح في كسر ارادة الشعب الفلسطيني، فأصبح الطلب الأمريكي بالانسحاب إنقاذا لشارون قبل غيره!! وقرار (الرؤية) الذي استصدرته أمريكا من مجلس الأمن في اليوم نفسه الذي بدأ فيه نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني زيارته المشئومة للمنطقة يسمح بمساحة لخداع الرأي العام العربي وتسهيل مهمة تشيني الذي أعلن قبل حضوره ان الملف الفلسطيني ليس ضمن أولوياته، وانه يأتي للتشاور حول المرحلة المقبلة من حرب أمريكا ضد ماتسميه الارهاب!! والترجمة الفعلية لكلام الرجل انه قادم لـ (إبلاغ) العواصم العربية بالقرار الأمريكي بضرب العراق. والرأي العام العربي - بلا شك - ضد هذه الضربة، والأنظمة العربية بين نارين، فمعظمها لا يؤيد هذه الضربة التي لا تحقق أي مصلحة عربية والتي سيدفع العرب جميعا ثمنها غاليا، لكن الأنظمة العربية تعرف انها لا تستطيع شيئا امام الضربة الأمريكية المتوقعة. وهنا يأتي قرار (الرؤية) الذي استصدرته أمريكا من مجلس الأمن ليمثل محاولة لاسباغ العقلانية والحيادية على موقف أمريكي منحاز - قولا وفعلا - لاسرائيل، وليمنح كل الأطراف بعضا مماتريد، وليؤسس لأوضاع تساعد في تنفيذ السياسات الأمريكية بكل ماتحمله من عداء للعرب فالقرار (الرؤية) يطلق يد اسرائيل لتمارس حرب الابادة ضد الفلسطينيين تحت زعم انها تحارب (الارهاب)! وفي الوقت نفسه يعطي لبعض الفلسطينيين والعرب فرصة لكي يتحدثوا عن بداية تغيير الموقف الأمريكي من الأوضاع في الاراضي الفلسطينية، وان (القلق) الذي عبرت عنه واشنطن ازاء المذابح الاسرائيلية هو مقدمة لموقف أكثر تصلبا هو القادر وحده على وقف شارون عند حده. تفاؤل كاذب والقرار (الرؤية) يعطي التغطية اللازمة لاستقبال شيني في العواصم العربية، لا ليبحث في ايقاف المذابح الاسرائيلية، بل ليتحدث عن مذبحة امريكية أكبر يجري اعدادها لشعب العراق، ويبدو أن السياسة الأمريكية تتصور أن مثل هذا القرار يكفي لمعالجة الوضع المتأزم الذي ستواجهه الأنظمة العربية الصديقة لأمريكا عند ضرب العراق، وذلك امام رأي عام يؤمن أن الارهاب الوحيد في المنطقة هو ارهاب اسرائيل، وأن ضرب العراق يتم لأهداف أمريكية بحتة، وان من يمتلك أسلحة الدمار الشامل ويهدد باستخدامها ضد كل الدول العربية والاسلامية هو اسرائيل، وان السكوت على ضرب العراق هو جريمة، وأن مشاركة بعض العرب في هذه الضربة هو عار قومي.. مثلما كان الصمت العربي على مذابح اسرائيل لشعب فلسطين. هكذا جاء القرار (الرؤية) من أمريكا عبر مجلس الأمن ليفتح الباب أمام تفاؤل كاذب بتغيير حقيقي في الموقف الأمريكي كنا نرجو أن يحدث بالفعل لولا أن الحقائق على الأرض تتحدث في اتجاه اخر. فالمذابح في فلسطين لم تكن تحدث الا بموافقة واشنطن، وبهذا الدعم الذي يتسم بالفجور من الادارة الأمريكية للسفاح شارون. والمبعوث زيني لن يفعل شيئا الا ابداء (القلق) الأمريكي من الأوضاع على أرض فلسطين.. ربما لأنها تهدد باسقاط شارون الذي يحظى بالتأييد الكامل من العصبة المسيطرة على السياسة الأمريكية، وليس بسبب مايتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم اعتبرها السفير الأمريكي في اسرائيل مرة اخرى، دفاعا مشروعا عن النفس تقوم به اسرائيل ضد (الارهاب) الفلسطيني وهو الأمر الذي جعل واشنطن - كما زعم نائب الرئيس الأمريكي قبل ذلك - تسمح باستخدام طائرات الفانتوم الأمريكية في قتل الأطفال الفلسطينيين! والاستعدادات الأمريكية تجري على قدم وساق لضرب العراق. حيث يجري حشد 300 ألف جندي أمريكي في الخليج، وتشترك قوات من ألمانيا وغيرها في مناورات عسكرية ويجري التركيز على وحدات للحرب الكيماوية في محاولة لاشاعة المخاوف حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل واستخدامها في الحرب القادمة. ويجئ تشيني في جولة تذكر بجولته السابقة عندما كان وزيرا للدفاع اثناء حرب الخليج الثانية والتي سبقت تحرك القوات المتحالفة لتحرير الكويت، ثم انفراد أمريكا بعد ذلك بتدمير العراق! ضغوط أمريكية على العرب وعلى الجانب السياسي تتزايد الضغوط الأمريكية على كل العواصم العربية حتى تتركز اعمال القمة العربية القادمة في بيروت على تقديم مبادرات السلام العربية وتجاهل التحفظات الأمريكية على هذه المبادرات، والرفض الاسرائيلي لها والرد عليها بحمام الدم الذي تشهده الاراضي الفلسطينية وجرائم اسرائيل التي تفوق في بشاعتها كل ماقامت به النازية. الضغوط الأمريكية تستخدم قرار مجلس الأمن الاخير لكي تضع حدا للدعم العربي للمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال، باعتبار ان القرار يدعو لوقف جميع أعمال الارهاب والتحريض. وأمريكا أعلنت من قبل ان جماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية (حزب الله) هي جماعات ارهابية. ويلاحظ هنا أن الأمين العام للجامعة العربية صرح بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب في الأسبوع الماضي بأن المبادرة السعودية ستكون (الفرصة الاخيرة) امام اسرائيل لتحقيق السلام. وقد سارع بعدها السفير الأمريكي للقاء عمرو موسى لـ (يستفسر) كما قال عن الموقف في قمة بيروت وماستبحثه من قضايا الساعة! الضغوط الأمريكية تريد وضع حد للتأييد العربي في القمة للمقاومة الفلسطينية، وتخشى أن تتحول القمة - في ظل المذابح الاسرائيلية - الى قمة للمقاومة، وهذا هو المفروض والمطلوب حتى لو لم تقع المذابح الاسرائيلية، فالمقاومة وحدها هي الطريق لتحرير الأرض وفرض الاستقلال الفلسطيني وكل شئ - بما فيه المبادرات السياسية ينبغي أن توضع في خدمة المقاومة - وهذا ماتفهمه اسرائيل وأمريكا وتفعلان كل شئ لانهائه.. سواء بحرب الابادة من اسرائيل، أو بالضغوط السياسية من أمريكا التي تريد ان تكون المبادرات السياسية بديلا للمقاومة وليس دعما لها وشدا من أزرها وتقديم رؤية سياسية تواكب المقاومة التي لا ينبغي أن تتوقف الا بتحقيق أهدافها في التحرير والاستقلال. والضغوط الأمريكية تريد ابعاد القمة عن اتخاذ موقف حاسم من العدوان المحتمل على العراق، والبعض يروج لذلك تحت دعوى ان القمة لا ينبغي أن تبحث أمورا خلافية، وهو قول حق يراد به باطل.. فإذا كانت جهود المصالحة قد تعثرت لاسباب كثيرة اهمها الضغوط الأمريكية نفسها، واذا كانت عشر سنوات من حصار العراق وتجويع شعبه لم تكف لتضميد الجراح عن حرب الخليج، فإن السكوت على ضربة قادمة ستدفع الأمة العربية ثمنها الباهظ هو خطيئة لن يكون أحد - مهما كانت لديه من أسباب - قادراً على تحمل ثمنها. ورغم كل المذابح التي شهدتها الاراضي الفلسطينية، فقد قدمت للعرب وللعالم أجمع أعظم درس تقدمه الشعوب وهي تدفع ضريبة الدم عن طيب خاطر، وتزف الشهداء الى جنات الخلد، وتقول بأرواحها وأجسادها: انها رغم كل شئ لن تركع، ولن تستسلم للنازيين الجدد، وانها - بصمودها البطولي - ستنتصر، وستفرض على العدو أن يتراجع، وهكذا كان.. انتصرت المقاومة، واضطرت أمريكا لأن تطلب ايقاف العدوان الاسرائيلي الهمجي الذي سمحت لشارون بالقيام به، ورفضت ادانته في مجلس الأمن، ثم اكتشفت انه قد دمر وقتل وذبح، ولكنه لم يقض على روح المقاومة ولم يستأصل ارادة الحرية عند الفلسطينيين. تحية لأرواح الشهداء، ولارادة شعبنا المنتصر في فلسطين. ولعل الذين يجتمعون في بيروت في القمة القادمة أن يكونوا أول من يستخلص الدرس ويؤكد الحقيقة الوحيدة في الصراع ضد النازيين الجدد في اسرائيل، وهو أن المقاومة، والمقاومة وحدها، هي الطريق لتحرير الأرض وانقاذ الوطن، وكل شئ آخر (مطلوب وضروري) من الدعم المادي الى المبادرات السياسية ينبغي أن تكون في خدمة المقاومة وعلى طريق التحرير. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية