ما تقوم به اسرائيل في هذه الفترة هي حرب نظامية بمعنى الكلمة وهي بعيدة كل البعد عن حرب الألعاب الالكترونية التي روجت لها في الاشهر القليلة الماضية من اجل تعويد وتعليم الاطفال على القتل المنظم والمدروس وهو ما نشاهده اليوم على كافة القنوات الفضائية والارضية وما بين ذلك. كل الاسلحة المعاصرة تقوم بدورها ولم يبق غير القنابل النووية والهيدروجينية وما شابهها في خوض هذه المعركة الضارية وغير المتكافئة بكل الموازين الارضية والاستراتيجية والميدانية، وعدم استخدام اسرائيل للسلاح الاخير النووي لا يعود الى ضعفها، إنما لعدم تعرضها للابادة الفورية، فمن هذا المنطلق جعلت من هذا السلاح الفتاك رادعا للطرف العربي ودرعا واقية لها من الانزلاق نحو الهاوية. اسرائيل تجرب نفسها في حرب يومية ضد الفلسطينيين وتكتسب خبرات بخسائر جمة في كل مجالات تحركها، اما العرب فقد جربوا الحروب معها ولم يصلوا الى نقطة الحسم من خلالها فاستلمت راية السلام بيد وخرقت ثوابت الامة بيد أخرى لا تستطيع اليوم ان تعيد بها التوازن الى الساحة المشتعلة تحت انظارها ولا تملك وسيلة سريعة لاطفاء الحريق من حولها. قيدت الاتفاقيات الاستسلامية اليد الطولى للعرب من ان تمتد الى اسرائيل مهما كان لاسرائيل من الايادي الطويلة في جميع انحاء العالم الغربي اولا والعوالم الاخرى ثانيا. وحديث بعض الزعماء العرب فيه لغة الاصرار على عدم المجازفة في الدخول مع اسرائيل في حرب نظامية مساوية ومتطابقة لما تقوم بها من استخدام كافة الامكانيات الحربية المخزونة في الدول العربية، لمن؟ فالجواب نصفه مجهول فقط والنصف الاخر معلوم ولكن غير معلن. في الانظمة الاستراتيجية هناك خيارات مطروحة وسيناريوهات موضوعة ومرفوعة الى قادة الامة، تحاول من خلالها تجريب الواحدة بعد الاخرى حتى تصل الى الافضل، والحرب الافغانية الامريكية ضد الارهاب الدولي خير مثال على ذلك لمن اراد استخدام القياس دون التقيد بالتفاصيل التي تختلف من دولة الى اخرى ومن مناخ الى آخر. نقطة القوة الاسرائيلية هي في عدم استبعادها اي خيار متاح وفي حيز الممكن ولو كانت الحرب المستمرة ضد شعب تم عزله من كل الاسلحة بالقوة الا من سلاح الارادة الحرة التي يحارب بها الطفل الفلسطيني اعتى قوى العصر بأصغر حجر في متناول اليد وهو سر بقاء الشعب الفلسطيني الى اليوم خارج دائرة الابادة المقصودة في كل ما يجري على الساحة الدولية قبل الداخل الفلسطيني. هل يمكن ان يدور في خلد العرب او بالتفكير الاستراتيجي في خيار الدخول والمجازفة في حرب محسوبة النتائج، لو فكرنا في التضحيات بالارواح الفلسطينية فهي ليست اقل من اي حرب اخرى، فالشهداء الذين يتساقطون يوميا وبالعشرات وعلى مدار الساعة دليل على ان الحرب النظامية لن تذهب بعيدا اكثر من ذلك العدد في التضحية بالانسان المظلوم وكذلك ما يتعلق بالخسائر الاخرى وهي اهون من التضحيات بالارواح، فالممتلكات يعاد بناؤها وهذا دأب التاريخ أما ما يحصل في فلسطين هو هدم متعمد لبنيان الانسان وهو الرأسمالي الاجتماعي الذي يبنى على اساسه تاريخ الشعوب، فما هي الاستراتيجية العربية التي يراد لها ان تسود في المستقبل؟! E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae