كلما شاهدت زحف المدن على الصحراء، وامتداد البناء الى أماكن كنا نعدها ذات يوم صحارى ومناطق نائية احسست بانحسار الرومانسية من حياتنا وطغيان المادة، وطفقت أبحث عن تفسير لهذه المعادلة او علاقة لهذا بذاك. تعالوا معي الى مراكز المدن الحيوية وبؤر الضجيج والازدحام والتلوث التي نرتادها اليوم ألم تكن قبل سنوات قليلة مصائف تقبع في اطراف المدن أو على مسافات بعيدة منها يرتحل اليها الناس في الصيف.. يقيمون فيها شهوراً لا يعرف كثير منهم خلالها الطريق الى المدينة سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة؟ ولا تسل عن تلك المناطق التي كانت ذات يوم مقاصد للرحالة وأماكن للتخييم تشد إليها الرحال في المناسبات والأعياد والعطلات، فقد أصبحت اليوم هي المدن المفضلة للاقامة، يتنافس الجميع على الفوز بقطعة أرض فيها لاقامة مسكن عليها. اما تلك المزارع التي اقيمت فيها عندما كانت قفراً لا يمكن الوصول اليها الا بعد عناء، فقد فقدت الرومانسية والهدوء والسكينة التي كانت تتمتع بها، وغدا المرء وهو جالس على رأس «عرقوب» في احداها ـ ان وجد ـ منشغلاً بمتابعة حركة السيارات التي لا تنقطع على شوارع الاسفلت من حوله، واحصاء الطائرات التي تحلق فوق رأسه صاعدة هابطة في المطارات المحيطة به اكثر منه متأملاً لروعة المكان. هل حاولت ان تسأل نفسك كم مرة رفعت رأسك الى السماء في الليالي الصافية لتمتع ناظريك بالنجوم المتلألئة التي ترصع القبة الزرقاء؟ وكم مرة رصدت حركة القمر وهو يمر بأطواره المختلفة منذ ان يولد هلالاً وحتى يصير بدراً، ثم يعود بعد ذلك الى التلاشي؟ قبل ثلاثين عاماً تقريباً قام الامريكي ويليام بولك مع مواطنه ويليام مارز برحلة عبر الصحراء العربية انطلاقاً من الرياض الى الاردن على ظهور الابل اقتفاء لآثار الشاعر الجاهلي لبيد الذي عاش في القرن السادس الميلادي وبغرض البحث عن بقايا الحضارة البدوية القديمة، وتذوق حياة لا تثقلها معدات المجتمع الغربي الحديث. وبعد انتهاء الرحلة قدما لنا خلاصة مغامرتهما المثيرة في كتاب شيق أطلقا عليه (Passing Brave) قام بترجمته عبدالوهاب الجلاحي تحت عنوان «رحلة الى الماضي العربي» ونشره المجمع الثقافي عام 1995. يقول المؤلفان عن رحلتهما المثيرة وعبورهما الجَسُور: «هذه قصة رحلة دنكخوتية، رحلة على ظهور الإبل استغرقت شهراً كاملاً عبر أراضي الجزيرة العربية، غير ان الغرض الحقيقي منها كان البحث عن ذاكرة حضارة بصدد الاندثار. لقد كانت محاولة لتذوق الطعم الاخير، شيء من الصفة المميزة، احساس شخصي بحضارة الصحراء قبل اندثارها، مثلما حصل لحضارة هنود السهول الكبرى ورعاة البقر والاسكيمو والفرسان المنغوليين». وعن الصحراء يقولان: «الصحراء مثل مغناطيس قوي، تغير اولئك الذين يقعون داخل مجالها، فهي تكاد تكون تجربة غامضة بالنسبة لكثير من المسافرين، وهي بالنسبة لآخرين تحد لانسانيتهم، بل لبقائهم ذاته لقد وجد بعضهم فيها السكينة، ووجد البعض الآخر اليأس.. ربما لا تكون الصحراء سوى عدسة تكبير أو شيئاً يمكن الانسان من ان يصف ما يراه بالضخامة مهما كانت حقيقته». لماذا كانت تلك الرحلة التي حملت اثنين قدما من اقصى الغرب على امتطاء ظهور الابل ألفاً ومئتي ميل غير عابئين بالمخاطر التي يمكن ان يتعرضا لها من ندرة آبار المياه، وقسوة الليالي الباردة، وخطر الرياح والرمال القاتل، وامكانية تعرضهما لمهاجمة الحيوانات وبعض قطاع الطرق؟ لذلك أسباب عدة يورد منها بولك قصة حدثت له عام 1970 عندما كان في الاردن وذهب في يوم عطلة لزيارة آثار قصر صحراوي قديم خارج عمان وفي طريق العودة كان الدليل يقودهم قرب مخيم للبدو عندما أحسوا بالعطش، فاقترح عليهم السائق التوقف لشرب فنجان من القهوة. يقول بولك: «مع اقترابنا من الخيام الطويلة السوداء ـ بيوت الشعر في التعبير العربي ـ لم نبصر دواباً، بل كانت عربة من نوع فورد، زينتها ألوان زاهية، راكنة خارج احدى الخيام. خرج عدد من الرجال من الخيمة، ووجهوا لنا التحية التقليدية بما فيها من طيبة وكرم قادونا الى قسم الرجال من الخيمة، وانهمكوا من توّهم في إعداد القهوة.. أثناء شرب القهوة تحدثنا حول طعم الحشائش الصحراوية واحتمالات الامطار وقد أثار دهشتي الحديث المتزايد حول السياسة في العالم. كانت هذه نغمة تشمئز منها المسامع، وتذكيراً تستثقله النفوس بالمهام التي تنتظرني في عمان. طلبت من مضيفي ضاحكاً ما اذا كان يمكن لنا أن نتحدث حول أشياء أكثر متعة. ثم سألت ما إذا كان هناك راو بين أفراد المجموعة ـ وهو المدرس والصحافي وناقل الحكايا ورجل الدعاية في المجتمع العربي ـ لينشدنا بعض الأشعار. فأجاب الشيخ: «لا، ولكن عندنا جهاز راديو!» وبروح عالية من الشمولية سألنا: «هل تريدون الاستماع الى صوت أمريكا أم صوت العرب أم راديو موسكو؟». في تلك اللحظة وقع نظري على دراجة تستند الى عمود الخيمة، ولمداعبة مضيفي قلت بسخرية: «أيها البدو، ماذا جرى لكم ولعشيرتكم؟ ليس لكم شعر بل راديو، وليس لكم إبل إنما عربة فقط، والآن فإنني أرى ان لكم عوضاً عن الحصان العربي دراجة مشدودة الى عمود خيمتكم!». طأطأ الرجل العجوز رأسه بحزن ثم همهم قائلاً: «ان الدراجات لا تحتاج الى علف!». لن نذهب بعيداً، فكل ما حولنا صورة اخرى من هذه القصة. ذهب الشعراء والرواة وذهبت معهم الجدات اللواتي كن يحكين لأحفادهن القصص و«الخراريف» وحلت العربات من أحدث الموديلات محل سفن الصحراء التي لم نعد نراها هي والخيول إلا في مضامير السباقات فهل نفعل كما فعل الشيخ العجوز فنطأطئ رؤوسنا ونقول ان جميع الوسائل البديلة قد وفرت لنا راحة الأبدان ولكنها ـ مع الأسف ـ سلبت منا راحة البال التي اصبحنا نفتقدها ونتوق اليها منذ ان بدأ زحف المدن على الصحراء، ومنذ ان وصلت شوارع الاسفلت اليها لتقلص مساحة الحلم وتزيد من رقعة الألم، ذلك الألم الذي لا علاج له سوى الصحراء حيث يتسنى للمرء ان يرى السماء والنجوم والقمر والشمس والريح، ويحس بها بطريقة لاتتاح له في اي مكان آخر كما يقول بطلا الرحلة التي ما أحوجنا نحن إليها في زمن تراجع الصحراء وانهزامها أمام زحف الاسمنت والاسفلت بعد ان طوى ذلك الزمن الجميل أوراقه ونام في بطون الكتب وأخيلة الشعراء ومغامرات الرحالة الغربيين الذين اخذوا على عاتقهم مهمة اعادتنا إليه!