في مقابل ايماءات دعائية فارغة المضمون تطالب الادارة الامريكية الحكومات العربية بتنازلات سياسية حقيقية. هذا هو المغزى الأوحد للتحرك الامريكي الأخير على صعيد الأمم المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو لقيام دولة للفلسطينيين جنباً الى جنب مع دولة اليهود. فقد تعمدت الولايات المتحدة ان تكون هي الجهة المبادرة بتقديم مشروع القرار الى المجلس لكي تطالب الحكومات العربية في المقابل بتأييد المخطط الامريكي لضرب العراق. لكن هذا القرار لا يعني شيئا سوى فرقعة دعائية. فماذا تملك الولايات المتحدة من مصداقية بشأن ادعاء القناعة بمشروعية قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني ذات سيادة كاملة ـ وهو ما يفهم ضمنا من القرار ـ بينما هي لا تغض الطرف فحسب عن الحرب المتصاعدة التي يشنها الجيش الاسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تعتبر المقاومة الفلسطينية ضد هذه الحرب ضرباً من الارهاب الاجرامي؟ كيف نقتنع بأن الادارة الامريكية تؤمن حقاً بحق الشعب الفلسطيني بأن تكون له دولة وطنية مستقلة بينما هي ترفض في الوقت نفسه لجوء الفلسطينيين الى الكفاح المسلح، الوسيلة الوحيدة المتاحة له لتحرير ارضه لكي يقيم عليها هذه الدولة المستقلة؟ ولن ندرك المغزى الدعائي الكامل لهذا القرار المريب الا اذا وضعناه في سياق فرقعات دعائية مماثلة سبقته او تلته مباشرة .. للتمهيد لجولة نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني ليطلب من القادة العرب التضامن مع الولايات المتحدة في خطتها لتسديد ضربة قاصمة الى العراق. بدأ السيناريو بحديث من وزير الخارجية الامريكية كولين باول الى مجلس النواب الامريكي ظاهره انتقاد لسياسة شارون القمعية. وقد انتقى باول كلمات حديثه ليبدو وكأنه نقطة تحول في السياسة الامريكية تجاه اسرائيل ولصالح الفلسطينيين لكن دون ان يكون كذلك في حقيقة الامر. وكانت الخطوة التالية اعلانا من الادارة الامريكية بارسال الجنرال انتوني زيني الى المنطقة.. وصيغ الاعلان بحيث يبدو وكأن قرار اعادة ابتعاث الجنرال صدر كتجاوب مع طلب بهذا المعنى من السلطة الفلسطينية. ومع انطلاقة تشيني في جولته صدر اعلان من الرئيس بوش نفسه يكرر انتقاد السياسة الشارونية.. ومرة اخرى بلغة تحتمل الف تأويل. ومع جمع قطع السيناريو هذه مع بعضها البعض تبرز الرسالة الامريكية الموجهة الى الحكومات العربية عبر نائب الرئيس تشيني: ها نحن قد تحركنا على صعيد مشكلة الشرق الاوسط لصالح الفلسطينيين فتحركوا انتم معنا لضرب العراق. وحتى لو كانت هذه الايماءات الامريكية ذات مضمون جاد وحقيقي فإن المفترض ان تكون موضع نظر عربي حسابي قبل ان يقرر القادة العرب الموافقة على المخطط الامريكي لضرب العراق. فما بالك انها مجرد ايماءات دعائية فارغة؟ فبينما كانت هذه الايماءات الامريكية تصدر تباعاً لم تسجل الولايات المتحدة اي موقف ميداني عملي لوقف الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين. وفور اذاعة انتقادات باول حشد ارييل شارون قوة من 20 الف جندي و 50 الف دبابة واعاد احتلال المدن الفلسطينية.. ومن ثم انتشرت القوات لتقتحم مخيمات اللاجئين والمنازل .. وحتى المستشفيات تمارس القتل الجماعي العشوائي. فماذا يقول القادة العرب لنائب الرئيس ديك تشيني؟ بغض النظر عن خدعة الايماءات الدعائية الامريكية فان المفترض ان يطرح القادة العرب على هذا المسئول الامريكي الكبير سؤالا واحدا. ففي تبريرها لاستهداف العراق تحديدا تقول الادارة الامريكية ان هذه الدولة العربية تحتفظ بأسلحة دمار شامل مما يشكل خطرا على جيرانها. والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: وماذا عن اسرائيل وما تملك من اسلحة دمار شامل في مقدمتها 300 رأس نووي؟