لا ينفكّ مشهدنا الثقافي، في فصوله المتلاحقة، عن بثّ الإشارات عمّا يدور في ثناياه. هكذا نلحظ بين الحين والآخر مفارقات تبعث في النفس انطباعات صارخة في تباينها، لكنها تشي برحابة المساحة المتاحة للتعبير الإبداعي. السمة الإيجابية التي نتحدث عنها، لا يمكن أن تُعفي أيّاً منّا من مسئولية التعامل السمح مع الكتلة الإنسانية التي تشكّل أصلاً معيناً لا ينضب للفعل الإبداعي. وفي السياق هذا، لا بُد من القول إن أيّ إنسان يخوض تجربة الكتابة، عليه الأخذ بالاعتبار وجود المتلقي ومشرحة النقد بسلبها وإيجابها. إذ لا يمكنه وضع نفسه خارج الحيّز النقدي، ويجعل من كلامه مجرّد صراخ في البرية، أو نداء في وادٍ لا يسمع غير رجع صداه! وحين نتحدث عن حالات المشهد الثقافي وصوره، لا ندّعي علاجاً، ولا نوعاً من الوعظ، فتلك باتت من المفاهيم التي لا تجد مشروعيتها في مثل هذه الحال، لأن الثقافة لا تتأسس على قوالب جاهزة، ولا تنتظم ضمن صيغ محدّدة المعالم.. فهي تحيا وتتألّق في آفاقها الواسعة ومدارسها المتنوّعة. لكننا ونحن ننظر إلى ما يحدث من فعاليات ثقافية في هذه المنصة أو تلك، يرتسم في أذهاننا الكثير من الظلال حول المدى التأثيري الذي تتركه في المتلقي، وربّما لا يقع ذلك على عاتق الضيف بقدر ما يكون خطأ في التقدير لدى الجهة المضيفة. وغنّي عن القول، إن الأنشطة الثقافية تكتسب معناها من جودة مضمونها وحُسن تنظيمها وكفاءة المتحدثين فيها، ولعلّ كثرتها من دون النظر إلى فحواها إنّما يجعلها أشبه باستعراض فارغ لمواد استهلاكية منتهية الصلاحية، وذلك ما لا يُسرّ النفس ويصيبها بالإحباط! وهذه الصورة التي لا نتمنى أن تظهر دائماً في حياتنا الثقافية، إنّما تعود إلى الثقافة السطحية التي باتت للأسف سمة لفئة واسعة من البشر. وإذا كان جميلاً أن يكون المرء مثقفاً، فالأجمل أن يُدرك حدود ثقافته، فالثقافة بحرٌ واسعٌ لا تُمسك أطرافه ما دام في رأس الإنسان عقلٌ يفكر. وفي نظر علماء المعرفة وفقهائها أن الفكر يكشف يوماً بعد يوم عن مكنونات ومفاجآت، قد لا تكفي حياة إنسانية واحدة لاستيعاب جزء زهيد منها.. فأين نحن من هذا الخضم؟! ما يلفت الانتباه في أحايين كثيرة، هو التقاؤنا بأشخاص لم يسمعوا بمثل هذه الأخبار حتى الآن، وما زالوا يعتقدون أنهم يتأبّطون الثقافة تحت أذرعهم، وليست المعارف إلا من فضلات ما يتفوّهون به! وأكثر ما يُضني في هذه الحالات، أن أولئك يتحلّون بطلاقة كلامية كالنهر في فصل الربيع، فما أن يتسلّم أحدهم زمام الحديث حتى ينسى أن المحادثة تحكمها أصول وقواعد، فيهندس جلسته، ويركز نظرته، ثم يسترسل بالحديث، فيبدأ بطرح النظريات، ثم ينتقل إلى توزيع الإرشادات على الحضور. وفي كلا الحالين لا ينسى أن يُجاوب نفسه، فتكثر إشاراته وصيحاته، ولا ينسى أيضاً التأكيد بأن ما يقوله سبقٌ معرفيّ وسري للغاية! المشكلة لا تتوقف عند هذا الحدّ، وجوهرها يكمن في بعض هؤلاء ممن نعرفهم على حقيقتهم أو من ناقصي الثقافة الذين تفضحهم جلسة أو كلمة أو معنى.. فالويل لك إن آثرتَ السكوت، والويل أكثر إن تَكلّمت! إذن، ليست الثقافة سلة تُشترى ولا هي معروضة للبيع في الأسواق أصلاً، ولعل أهم عوامل ارتقاء الشعوب وتقدّمها إنّما يتمثل في احترام الثقافة وحبّها، وبقدر ما يتنامى الوعي والإدراك في المرء بقدر ما تنمو ثقافته معهما اضطراداً، حيث يصبح التصّرف الإنساني بنتيجة التلقّي مرآة الثقافة المكتسبة. والثقافة أخيراً.. ليست صراخاً أو إثبات وجود بأيّ ثمن، حسبما يعتقد الكثيرون.. إنها اكتساب معرفة ينحدر من معاناة وتجارب غزيرة، وتفاعل إبداعي، ونقد ومراجعة دائمة للذات، وهي أيضاً إصغاء وسماع مرهف للرأي الآخر واعتراف بحق الاختلاف. Email: Ismail_haidar@yahoo.com