لماذا هذه الضجة الغربية العظمى حول روبرت موجابي وانتخابات زمبابوي الرئاسية؟ هل هي أول انتخابات تجرى في افريقيا والعالم الثالث؟ ولنفترض جدلا ان انتخابات زمبابوي ونتيجتها، وهي اعادة انتخاب الرئيس موجابي، مزيفة (وهو ما لم يثبت قانونيا) فما الذي يدعو قادة الغرب الى انتقاء زمبابوي من بين العديد من الدول الافريقية والعربية والآسيوية والامريكية اللاتينية التي جرت فيها مؤخرا أو ستجرى فيها قريبا انتخابات عامة، وتسليط أضواء وشن حملات اعلامية لا تفتر حول العملية الانتخابية الزمبابوية؟ لماذا تعنى شبكات التلفزيون الكبرى في الغرب منذ أن بدأت التحضيرات للانتخابات في زمبابوي بأن يكون الخبر الاول على صدر أي نشرة اخبارية على مدار الساعة هو احدث تحركات الرئيس موجابي مع تعليقات ومقابلات لا تنتهي للتشكيك في زعامته من ناحية وفي نزاهة العملية الانتخابية من ناحية أخرى؟ إن القادة الغربيين ومن ورائهم وأمامهم أباطرة الشبكات التلفزيونية والمؤسسات الصحفية الغربية يحرصون الحرص كله على عدم الاتيان على ذكر السبب الحقيقي الذي من أجله كرهوا الرئيس موجابي وحقدوا عليه وسعوا الى اسقاطه لان في ذكر ذلك السبب تشريفا لهذا الزعيم الوطني الافريقي. فما هو هذا السبب؟ تعود القصة إلى ما قبل الانتخابات بنحو عام أو أكثر عندما شرع الرئيس موجابي في تنفيذ برنامج للاصلاح الزراعي كان بمثابة زلزال خشيت دول الغرب ان تتردد أصداؤه في انحاء الجنوب الافريقي الأخرى. فقد أعلن موجابي الحرب على الاقطاع المتمثل في ملكيات غير مشروعة لمعظم الأراضي الزراعية الممتازة من قبل أقلية من المستوطنين البيض من أصل بريطاني. وبذلك أرسى موجابي سابقة تخشى الدول الغربية من أن تكون نموذجا يحتذى عبر الحدود في جمهورية جنوب افريقيا وموزامبيق وزامبيا. وهذا يفسر لنا سر الاهتمام الغربي غير العادي بعملية انتخابية في دولة افريقية. فالاجراء الذي اتخذه موجابي بنزع ملكية بعض الاراضي من البيض كان خطوة أولية. وأراد موجابي الحصول على تفويض انتخابي للمضي قدما. نزع الملكية عن أراضي أقلية المستوطنين البيض واعادتها الى آلاف الأسر من المواطنين السود الأصليين هو البرنامج الانتخابي الذي دخل به موجابي جولة الانتخابات الرئاسية التي أجريت الاسبوع الماضي.. ليحصل على التفويض الشعبي المطلوب. وهل ترددت الجماهير التي عاشت تحت عهد البيض الاقطاعي لما يزيد على قرن من الزمان في تأييد برنامج كهذا. ومن هنا نفهم الضجة الغربية التي تزعمتها بريطانيا. فقد تداعى الاتحاد الاوروبي مع «الكومنولث».. وتجاوبت الولايات المتحدة، فعقدت اجتماعات ومؤتمرات وأرسلت بعثات مراقبين الى زمبابوي «لرصد» الانتخابات ومحاولة التأثير على نتائجها.. وذلك كله على خلفية حملة اعلامية تلو حملة للاساءة الى الرئيس موجابي ونعته بالدكتاتورية وكل ما يحويه قاموس الاساءات السياسية.. ولكن دون أدنى اشارة الى مشروع الاصلاح الزراعي. لكن قصة محاربة الاقطاع في زمبابوي لم تبدأ الآن في مطلع القرن الحادي والعشرين. فقد كان شعار استرداد الاراضي الشعار الاساسي لحركة التحرر الوطني المسلحة التي قادها روبرت موجابي منذ منتصف عقد الستينيات في القرن المنصرم والى ان انتزعت الاستقلال في عام 1980. ولمدى أكثر من عشرين عاما ظل موجابي يسعى لتسوية سلمية لاستعادة الأراضي مقابل تعويض ليس مع قادة أقلية البيض فحسب بل أيضا مع بريطانيا ـ الدولة الاستعمارية السابقة. ولان هذا السعي لم يقده إلا الى طريق مسدود فإنه قرر أن ينهج اسلوبا آخر. والآن فان فوز موجابي في الانتخابات الرئاسية لا يعني فقط اطلاق برنامج نزع الاراضي من المستوطنين البيض على نطاق واسع ولكنه يعني ايضا ان ملايين المزارعين في جنوب افريقيا سوف ينهضون مطالبين بتطبيق النموذج الزمبابوي. لذا نفهم لماذا أعلنت «بي بي سي» و«سي ان ان» حالة الطوارئ الاعلامية.