في تلك اللحظة تأخذ الطائرة كل قوتها وتفتح كل محركاتها وتتحول من بطة ثقيلة ترقد على الأرض الى سيف من الفضة يثقب قلب السماء ويصافح السحب ويتعايش معها ويترك على كل نجمة جرحا، في تلك اللحظة تكون الطائرة التي تحمل أطنانا من البشر والحقائب والبضائع تتحدى جاذبية الأرض، وترفض عنادها، وتصعد برأسها الى الغيوم، لتصبح قصيدة فضائية، أو لترقص فوقه باليه (بحيرة البجع) لتشايكوفسكي، بينما نحن نتربع في رحمها، نشاهد فيلم المساء قبل تناول العشاء، أو نغفو في انتظار حلم مثير، وكأننا نركب سجادة من الحرير لا طائرة بوينج عملاقة تزن أطنانا من الحديد الملون. وتبدو السماء من نافذة الطائرة مثل ملعب «فوتبول» مفروش بالقطن المنتوف على شكل سحب تبدو الطائرة في ذلك الوقت وكأنها تتجول في بساتين النجوم، حيث تعيش كائنات لا نعرفها ولا نعرف هل تشعر بأننا نزعجها فتسعى للتخلص منا، أم تدعو لنا بسلامة الهبوط مرة اخرى على الأرض، ربما لنتركها في حالها بعد أن استيقظت مذعورة على أصوات محركات الطائرة الصاخبة. وكثيرا مارحت أتأمل هذه المعجزة وأنا أجلس على مقعد وثير يرتفع على سطح الأرض بنحو 33 ألف قدم، أقرأ، وأشرب، وأسرح، مقعد متحرك أفرده ليصبح فراشا، أو مكتبا، أو مائدة طعام، أو قاعة فيديو، بجانبها مكان للجرائد والمجلات، ثم بعد ساعات - طالت أم قصرت - نجد أنفسنا في عالم اخر، يختلف في كل شئ، الطقس، اللغة، لون البشرة، وطبيعة النساء. لو لم تكن هذه المعجزة قد وصلت الينا هل كنا سنسافر في عمرنا كل هذه الرحلات؟، هل كنا سنصبح كما يسهل الآن أن نكون على سفر دائم؟، هل كنا سنطبق خريطة الكون في جيوبنا لنفتحها في المكان الذي نشاء والزمان الذي نريد كما نفعل الآن؟، هل كانت الدنيا ستنكمش وتتضاءل لتصبح هذه القرية الصغيرة التي تختلط فيها الوجوه والملامح، والأفكار والمصالح؟ انني أحمد الله انني انتمي الى جيل البوينج والكونكورد والسفر على كفوف الراحة، فأنا مريض بالسفر، مجنون بالانتقال والرحيل واختصار المسافات البعيدة بين الدول والقارات، وهي متعة مابعدها متعة أن تفطر في القاهرة، وتتناول طعام الغداء في فرانكفورت، وتستعد لعشاء ساخن في واشنطن، أو هي متعة ما بعدها متعة أن تقرأ رواية لنجيب محفوظ في المسافة بين القاهرة ودبي، وتشاهد فيلما لجوليا روبرتس في المسافة بين دبي وبانكوك، وتكتب مقالا عنهما في المسافة بين بانكوك وطوكيو، وليس من الصعب أن تفتش على معلومة تريدها فالكومبيوتر الشخصي الذي أحمله يحتفظ في ذاكرته بكثير مماأريد. ولو فكرت في البقاء ساعات ترانزيت في مطار من مطارات الدنيا (ماعدا مطار القاهرة) فإنك لن تشعر بالملل ولا بالتعب، فهناك فنادق خمس نجوم، ومطاعم تتبارى في تنوع الطعام، ومحلات للتسوق تعوضك عن مانسيته، واستراحات فاخرة للدرجة الأولى تقدم لك كل ما تريد بلا مقابل، بما في ذلك أماكن مخصصة للانترنت، وتليفونات خاصة مريحة توفر لك الخصوصية، وفي بعض المطارات فتحوا كازينوهات للقمار، وهي خطر، ليس على الجيب فقط وانما في نسيان موعد الطائرة، أو ضياع مصاريف الرحلة، وفي مطارات أخرى ملاعب للتزحلق على الجليد، ودور سينما صغيرة تختار فيها الفيلم الذي تريده، انهم يقضون على كل فرص الشعور بالزهق. وكان الله في عون أجدادنا الذين كانوا اذا سافروا مكثوا في البحر شهورا لا يرون سوى السماء والماء، أو كانوا اذا سافروا لم يكن لهم مقصد أو سبيل سوى بيت الله الحرام في مكة، يحجون اليه مشيا على الاقدام، أو ركوبا على جمل، وكانوا يصلون في سنة ويعودون في سنة، وفي الطريق يتزوجون وينجبون ويفتحون بيوتا، غير بيوتهم، وربما بقوا فيها حتى نهاية العمر، فلا يجدون مبررا لاستكمال الرحلة، لقد تغير ذلك الآن، لكن، لم يتغير البشر، فلا هم شعروا بالراحة. ولاهم رضوا عما اصبحوا فيه. ان طائرة الكونكورد تعبر المحيط من أوروبا الى أمريكا في وقت لا يزيد كثيرا عن ثلاث ساعات، ولكن سعرها ثلاثة أضعاف، وضغطها على الجسم والأعصاب ليس معتادا، وعدم التوازن الذي تحدثه لا يحتمله كثيرون بينما الطائرة النفاثة العادية تقطعها في سبع ساعات، ورغم ذلك يشعر الانسان بالملل، دون أن يتذكر أن هذه الطائرات تطورت بدرجة لم يكن يحلم بها، لقد سافرت إلا أمريكا أول مرة منذ 20 سنة، وكان علي أن أتوقف في أثينا وروما وفرانكفورت، لنركب طائرة اخرى تعبر المحيط الى نيويورك، في 18 ساعة، ومن نيويورك الى أي ولاية أو مدينة أمريكية اخرى عبر خطوط الطيران الداخلي، وهي ليست قريبة في بعض الاحيان، فمن نيويورك في أقصى الشرق الى لوس انجلوس في أقصى الغرب مثلا يمكن ان تقضي في الجو 7 ساعات وهي نفس الوقت بين نيويورك ولندن مثلا. قبل ذلك بسنوات كانت الرحلة من القاهرة الى نيويورك تستغرق 36 ساعات وتتوقف في اثينا وروما ولندن وجاندر في ايرلندا وريكيافيك في ايسلندا بالاضافة الى جزيرة جرينلاند ومنها الى نيويورك، وكانت الرحلة تقتضي قضاء ليلة مبيت في منتصف الطريق، أما الآن فالرحلة اصبحت تقطع مرة واحدة بلا توقف، من القاهرة الى نيويورك مباشرة، في 11 ساعة بلا ترانزيت، ورغم ذلك نشعر بالضيق، فهل هناك مخلوق مدلل مثل الإنسان، لا يكاد يحقق شيئا الا ويبحث عن غيره، ولا يكاد يصل الى محطة إلا ويشخص ببصره الى محطة اخرى، ولا يكاد يشعر بميزة الا ويتطلع الى ميزة اخرى، فما لم نعرفه افضل مما عرفناه، ومالم نتذوقه أشهى مما تذوقناه، ومالم نعاشره أجمل مماعاشرناه، هكذا، الإنسان يحلم بالمجهول ويندفع اليه بجنون حتى يصبح معلوما، ليعود بعد ذلك الى مجهول اخر، محطة بيضاء، ومحطة سوداء، في رحلة بشرية بلا نهاية. لقد تغيرت الدنيا خلال العشرين سنة التي مضت على أول رحلة لي إلى أمريكا، سقط الاتحاد السوفيتي وتفككت جمهورياته، وسيطرت عليه عصابات تتاجر في سمعته وشرفه، ومن تصدير الأفكار والأحلام الى تصدير النساء وتهريب الدولارات، وفي غمضة عين وجدنا وضعا دوليا غريباً علينا، امبراطورية امريكية جديدة، حاكمة مسيطرة ومنفردة بكل شيء، فارضة ارادتها على كل شبر، مؤثرة في كل شخص، وحاشرة نفسها في كل بيت، مهما اختلفنا معها، ومهما عاديناها، فلا مفر من أن نفهمها، ونعرف كيف نتعامل معها، اذا لم يكن بحثا عن خيرها فعلى الاقل اتقاء لشرها. ولو كانت القوى الدولية تغيرت خلال تلك العشرين سنة فإن ماظل على حاله بقوانينه وأساليبه وضحاياه هو الصراع الدامي في الشرق الأوسط، الذي لم ينفع معه سلام، ولا كلام، فقد ظل لعبة من ألعاب اللئام، وقبرا من الحجر أو الرخام، لقد سافرت إلى أمريكا أول مرة في وقت كانت فيه قوات أرييل شارون تجتاح بيروت، وسافرت اليها هذه المرة وقواته تجتاح مناطق السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وقد تغير منصب شارون، لكن أخلاقه لم تتغير، ظل مريضا بشهوة القتل والدم، ولم يشف من هذا المرض بعد أن خلع ثياب الجنرال ولبس ثياب رئيس الورزاء، فقد ظل قاتلا محترفا تحت الجلد. وفي الرحلة الأولى الى أمريكا كان الانبهار يرافقني في كل مكان، من واشنطن المدينة التي تعيش في مكتب الى لاس فيجاس المدينة التي تعيش في كازينو، ومن منيابوليس وطن البرد في الشمال الى أريزونا مزرعة الصبار والهنود الحمر في الجنوب، وعدت من الرحلة بعد الشهر بكتاب: (أمريكا الجنة والنار) فاز بجائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات منذ 15 سنة تقريبا، لكن في الرحلات التالية انخفضت درجة حرارة الانبهار وتقلصت الأيام والليالي وزاد الاهتمام بسؤال دائم ليس له اجابة مستقرة: ماالذي يريدونه منا بالضبط؟ وكانت تغطية زيارات الرئيس حسني مبارك صحفيا وسياسيا هي فرصة مناسبة للبحث عن اجابة ولو مؤقتة عن ذلك السؤال. لكن الرحلة الاخيرة كانت فرصة - الى جانب تغطية زيارة الرئيس أن أرى على الطبيعة ماجرى للامبراطورية الأمريكية العظمى والوحيدة بعد صواعق الصدمة المروعة في 11 سبتمبر الشهير وكان قد مر عليها نحو ستة أشهر، لقد ضغطت حواسي الصحفية علي بشدة كي أسافر الى أمريكا بعد ماجرى، لكن جنون الناس وغضبهم وردود فعلهم القاتلة هناك كان يفرمل اندفاعي نحو التجربة، فما الذي يمكن ان أكسبه من تهور شخص متعصب ضيق الأفق لو تصور أنني أمت بصلة قرابة الى أسامة بن لادن؟، أو كيف يمكن التعامل مع نظام أمني يفترض أن كل مسلم أو عربي هو ارهابي حتى يثبت العكس؟، وأعترف أن ذلك لم يحدث طوال الرحلة، ان الخطر لم يكن من جهاز المباحث الفيدرالية وانما كان الخطر من أسماك المحيط الأطلسي. كانت التجربة قد علمتني تجنب الطيران الداخلي في أمريكا، ومن ثم فقد كنت أصل واشنطن من فرانكفورت مباشرة، على الخطوط الألمانية، لكن، في هذه المرة دفعت الظروف الخطوط الألمانية الى تحويل تذكرتي الى شركة طيران أمريكية هي (يونيتد) يعني ما تجنبته في نيويورك وجدته في فرانكفورت، لكنني اقنعت نفسي بأنها فرصة أن أعيش تجربة رد فعل الأمريكيين مبكرا، في الطائرة، خاصة وأن ثلاث طائرات كالتي ركبتها هي التي فعلت مافعلت في سبتمبر الشهير، واعترف بأن لا شئ مما توقعته قد حدث، ففي مدخل الطائرة لم يكن التفتيش غير معتاد، فلا خلعت حذائي كما قيل لي بعد أن ضبطوا سكينا في نعل حذاء راكب، ولا كان التفتيش ذاتيا على طريقة الاشتباه الجنائي، نفس الاجراء الأمني الذي خرجت به من مطار القاهرة، وإن كنت قد عرفت ان شركات الطيران تسارع بتقديم اسماء ركابها الى جهات الأمن المختلفة في المطارات كي يستعدوا بفحصها قبل أن يصل أصحابها اليهم، وربما لهذا السبب كان هناك من يتوقفون عنده طويلا، ومن كانوا يتركونه يمر بهدوء. كانت أدوات الطعام في الرحلة من القاهرة الى فرانكفورت من المعدن، لكنها انقلبت الى بلاستيك رخيص في الرحلة من فرانكفورت الى واشنطن، وربما حاولوا تجميلها بتلوينها ارضاء لركاب الدرجة الأولى، وهو ما أضفى تناقضا واضحا بين فخامة الطعام وتنوع ألوانه ورداءة أدوات تناوله، فالكافيار والسيمون فيميه وشرائح صدور الدجاج على طريقة شنغهاي تتناولها بنفس الشوكة والسكينة التي تتناول بها البيتزا والملعقة التي تتناول بها الكشري، وتدليل المضيفات ورشاقتهن ورغبتهن أن تكون على كفوف الراحة تنتهي بقطع رخيصة من البلاستيك تفقدك متعة الطعام، لكن، أن تفقد متعة الطعام خير من أن تفقد حياتك. فما أن قطعت الطائرة ثلاث ساعات في الجو تاركة اليابسة الاوروبية مخترقة المحيط الاطلسي حتى ارتجت واهتزت واضطربت وتحولت الى طائرة من ورق، لقد كشف الوجه الاخر للسفر عن ملامحه القبيحة، وتذكرت طائرة الموت المصرية التي تفتت في مياه المحيط بالقرب من نيويورك، والتي تحول ركابها وطاقمها الى طعام لأسماك المحيط دون أن نعرف السبب، ليصبح ماجرى لغزا مثل كل شئ في حياتنا، وأطلقت كل الاشارات الحمراء في الطائرة، وقبل أن تتماسك مضيفة تظهر عليها أعراض الحمل وجدت نفسها تسقط بفنجان قهوة تحمله على راكب كان يجلس منتفخا لا يعجبه أي شئ، وابتسم كل من شاهد ماجرى، فشر البلية مايضحك، وراح قائد الطائرة يشرح ماجرى، أن جهاز الاتزان فوق الماء قد تعطل، ورغم انه لا خطر على حياتنا الا انه لا يمكن ان نكمل الرحلة هكذا، طائرة فقدت سيطرتها على جهازها العصبي وان بقى قلبها في حيويته، لكن، المشكلة لم تكن قلب الطائرة، انما قلوب ركابها. عادت الطائرة الى اليابسة الأوروبية فاستردت توازنها النفسي والعصبي وبعد نحو الساعة هبطت في مطار لندن ووجدت نفسي في طائرة أخرى للشركة نفسها لم تأخذ طريقها الى واشنطن وانما ستهبط بعد 8 ساعات في شيكاغو على أن أركب طائرة أخرى تقوم بعد ساعة من شيكاغو الى واشنطن، وطوال الرحلة لم أعرف النوم كعادتي، ولم اقدر على الاستمتاع بفيلم أمريكي جذاب ورومانسي مثل (بيرل هاربور)، ومرت الرحلة في ملل، فأنا مشغول بجهاز التوازن فوق الماء، ومشغول بمصير حقيبتي التي لفت المطارات وستركب مثلي أربع طائرات في يوم واحد، ومشغول بحجز الفندق الذي قد يلغونه فأبقى في شوارع العاصمة الأمريكية ابحث عن مكان أنام فيه، ومشغول بالوقت القليل الذي لا يكفي للحاق بطائرة واشنطن، لقد تحولت متعة السفر التي أعرف كيف أعيشها الى جحيم وعذاب وقلق يطير النوم ويفقد التركيز. هبطت مطار شيكاغو، وجدت من يحمل لي بطاقة صعود طائرة واشنطن، لكنه اكتفى بالقول، أجري، وجريت حتى أنهي اجراءات الجواز، وجريت لألتقط حقيبتي، وجريت لأعبر منطقة الجمارك، وجريت لأضع حقيبتي على السير الذي سيحملها الى الطائرة، وجريت لأركب قطارا كهربائيا ينقلني من مبنى الى مبنى اخر، وجريت حتى مكان الطائرة، ولو عرفت أن مطار شيكاغو أكبر مطار في العالم، ولو عرفت أن حجمه يذكرك بحجم حي مدينة نصر لعرفت كم جريت، ولعرفت لماذا طلبت من المضيفة التي كانت على وشك اغلاق باب الطائرة كوبا من الماء. دخلت غرفتي في الفندق بعد منتصف الليل بساعتين، متأخرا عن موعدي المتوقع بأكثر من 12 ساعة، وهو ما يعني انني بقيت في الطائرة والمطارات أكثر من 36 ساعة، ولم يكن لي أمنية غالية في الحياة سوى أن (أنقع) نفسي في ماء دافئ، ان كثيرا من الاشياء البسيطة لا نشعر بأهميتها الا عندما نفقدها، وقد وجدتني عندما دخلت في الفراش أقرأ سورة ياسين مرتين، مرة شكرا لله على أنه انقذني من أن أكون وليمة شهية لأسماك المحيط، ومرة من باب الحماية قبل مواجهة أسماك من نوع أخر أكثر شراسة تضع على مائدتها طبقها المفضل المصنوع من لحم الشعوب. ـ كاتب مصري