عندما قلت له ان المرأة الجميلة تستثمر جمالها لمدة عشر سنوات أو أكثر بقليل في حين ان المرأة الطيبة يمكن ان تستثمر جمال روحها طيلة الحياة، أعجبته العبارة ، جداً وأراد ان يسجلها في مفكرته، لكني قلت له مقاطعاً: ما رأيك ان نتبادل الأدوار، أنت تصبح كاتباً، وأنا أصبح مطرباً، فأعجبته الفكرة أيضاً واستحسنها، لكننا كنا عاجزين عن تبادل الموهبة، فأنا لا أملك صوتاً جميلاً يحشد الناس حولي، ولا هو يمتلك ناصية الكتابة. كان هذا فحوى حوار سريع مع المطرب إلياس كرم الذي صادفناه في ردهة فندق البستان روتانا بدبي، حيث تعقد هذه الأيام فعاليات جائزة العويس الثقافية وحيث ضم الفندق الفخم عدداً كبيراً من الأدباء الذين جاءوا من مختلف الوطن العربي ليشهدوا الحدث الكبير. رغم ان الحوار مع المطرب لم يذهب باتجاهات فنية إلا انه كان يعود للسيرة الأولى، كلما قوطع بمعجب أو عابر سبيل يريد توقيعاً أو صورة تذكارية، وربما فاز بابتسامة عريضة معها بوسة خد. عندما جلست معه وجهت هدفي إلى الحياة خارج الغناء، فاكتشفت ان المطرب بعدما يصبح مشهوراً لا يملك نفسه، بل هو ملك معجبيه، وعليه فإنه لا يمكن ان يسير في الشارع دون أشخاص ينظرون أو يشيرون إليه، وكأنه احدى العجائب السبع، وربما كان هناك فريق يركض بجواره إذا سار على الشاطئ أو وقف على الشرفة يستنشق الهواء أو يلوح لأشخاص لا يعرفهم، لكنهم يعرفونه، ويستمعون إليه ويحضرون حفلاته، ويعلقون صوره على دفاترهم، لذلك لهم الحق في اقتحام عالمه، وهو اقتحام يحبه المطرب ويسعى إليه كاحدى ضرائب الشهرة، والشهرة في مفهوم الآخرين تعني الثراء، لذلك يضاعف الباعة أسعار بضائعهم عندما يبيعون سلعهم إلى شخص مشهور، وهذا يحدث كثيراً هذه الأيام، عكس الأيام الخوالي، عندما كان يموت المغني معدماً، لكنه كان يحظى بدرجة تقدير وجدانية عالية، فتظل أغانيه عالقة في الذهن حتى لو مات منذ زمن بعيد. ولكي لا أدخل في مقارنات استعراضية بين عالم المغنين وعالم الكتّاب فإنني اكتفي بوصف مشهد المقهى أو الردهة الفخمة، فقد كان المطرب على الجهة اليسرى يرد على تحيات معجبيه ويلتقط معهم الصور، في حين كان مجموعة من كبار الأدباء على الجهة المقابلة يدردشون ويدخنون، أو فلأقل يثيرون الضوضاء بأصواتهم العالية وضحكاتهم العميقة، وهذا أدق تعبير عن حالة الفوضى الحاصلة هناك. وعليه أيضاً ان الكاتب يعيش في الظل وينشر في النور، لذلك لا أحد يعرف شكله، وهذا يضمن له ألا يضاعف البائع ثمن سلعته، وألا يتدخل أحد في خصوصياته، بينما يجد المطرب متعة كبيرة عندما يدفع ألف دولار ثمناً لحذاء عادي، ولسان حاله يقول للبائع «حبيب قلبي» وهي تعني شكراً في اللغة الطربية الدارجة اليومين دول. حسين درويش