مثل أم كلثوم وعبدالناصر وأهرامات الفراعنة والنيل فان هيكل واحد من هؤلاء، علامات فارقة، حفرهم التاريخ ولا ينساهم الزمن ابداً مهما تحول وتبدل. هذه الرموز التي صنعتها أو انبتتها مصر ما كانت ملكا لها، انما هي جزء من ثقافة وحضارة العالم. حظ مصر انها احتضنتهم وانهم حملوها في قلوبهم او زادوا الناس عشقاً بها، فمن لا يحب ام كلثوم. وسيدة الغناء العربي شكلها وصوتها واشهر اغانيها كانت بوحي أو من أجل أم الدنيا. محمد حسنين هيكل في كتابة التاريخ وفهم السياسة وعالم الصحافة هو واحد من أمهر الصناع، صانع مؤثر سواء على مستوى القادة والقيادة أو عند القاعدة المثقفة والمهتمة او حتى الشعبية. هيكل اليوم يكمل ستين عاماً في بلاط الصحافة، وقدر اعتزازه بشخصيته وتاريخه الطويل في كتابة التاريخ والتحليلات السياسية، وايضاً دوره البارز والمهم في الحقبة الناصرية، كل هذا العطاء والنجاحات، الا ان حنينه وعشقه كان ولا يزال في الصحافة. ومن يقرأ سيرة هيكل وتاريخ الصحافة المصرية والعربية بشكل عام، يرصد حجم تأثير هذه الشخصية فيها. ما كان مجرد كاتب مجيد توفرت له السبل واعطي الشهرة، ولم يكن رئيس تحرير فرضته الظروف ووجد فرصة العمر، كان اكبر من ذلك بكثير، كان مدرسة صحفية، وهو مفصل مهم من تاريخ الصحافة. كيف بدأ في الصحافة، هذه السيرة ينبغي ان تدرس لطلاب الاعلام في الوطن العربي وفي هذا الزمن تحديداً، ليس لأهمية هيكل واستاذيته، انما لتعليمهم اهمية العزيمة ومعنى الصعاب وقيمة المثل والأخلاقيات في مسيرة كل من ينتمي لمهنة مثل الصحافة. هيكل كما جاء في سيرته التي كتبها العديد من الصحفيين العرب والاجانب وقدمت بأكثر من لغة عالمية في هذه السيرة كما يقول الكاتب الصحفي عادل حمودة احد الذين دونوا قصة هيكل. انه بدأ من الصفر، طالب موهوب وجد فرصة ليتعلم، وأقسى أنواع التعليم والتدريب يوجد في مثل هذه المهنة. كيف عمل لعدة سنوات من غير اجر، رغم الظروف المعيشية الصعبة، وأحوال هيكل المادية المتواضعة جداً. كيف كافح في هذه المهنة؟ فأول موضوع صحفي طلب منه هو تحقيق مع (البغايا) ومدى صعوبة مثل هذا الطلب على صحفي متدرب او حتى آخر متمرس! كافح هيكل طويلاً في هذا البلاط، بدأ مع أخبار الجريمة، ووصل فيه الطموح ان يغامر ويذهب الى ساحات المعارك، مراسلاً وناقلاً أحداث الحروب سواء في مصر وفلسطين او حروب دولية، وقابل على صعيد الحوارات والتغطيات الصحفية المختلفة شخصيات عالمية، هذه الفرص وهذا الطموح اعطاه الشهرة والمجد، وايضاً ان يكون شاهداً على احداث تاريخية ومحاوراً لشخصيات لا تتكرر في التاريخ. الدرس المهم في تجربة هيكل لكل من يشتغل في هذه المهنة، ان الصحفي اذا لم تكن عنده ثقافة، وجرعة ثقافة منوعة ويحاول ان يتزود ويضيف لهذا الوعاء، فإنه من غير هذا السلاح لا يستحق ان يكون فيها، واذا كان فإنه سيظل ضعيفاً، محدود الأفق والقدرات. ولن يكتب له ان يكبر فيها. هيكل لم يكن مثقفاً فقط، انما كان موسوعة متحركة، لهذا عندما يكتب عن قضية او موضوع ما، فان كتابته هي حدث بحد ذاتها. في تاريخ هيكل الصحفي الطويل، تجربة مهمة ودرس بالغ الأهمية هذه المرة إلى رؤساء التحرير.. كيف تكون القيادة، وكيف تقدم الرسالة، وأهمية شخصية وطموح رئيس التحرير، وانعكاس ذلك على مؤسسته وجريدته، هيكل عندما دخل الأهرام أول مرة، كانت مؤسسة مغرقة بالديون والالتزامات، كانت متواضعة جداً في مبناها وامكاناتها المادية والتقنية والبشرية. جاهد هيكل كثيراً فيهاً ابتداء من شكل مقرها، فبنى لها في عشر سنوات برجاً معمارياً من أربعة عشر طابقاً لم تكن تحلم به الصحافة آنذاك، هذا المبنى الضخم أشادت به الصحافة العالمية في ذلك الزمان، وتحول إلى مزار لكبار ضيوف الدولة، وحرص هيكل ان تكون لمساته في التصميم وحتى في جماليات المكان وديكوره الداخلي، فحرص ان يغطي قاعة المدخل والجدران الداخلية بأعمال فنية لأشهر الرسامين. أما على مستوى المهنة فاستقطب مجموعة من أشهر أسماء الكتاب في مصر، وأصبحت لهم مكاتب ومنتديات في مؤسسة الأهرام، وادخل التقنية، وتطورت الطباعة، واستقرت أمور المؤسسة المالية. وفي حرفة الكتابة رسم لها خط التركيز على الخبر الصحفي، وان يكون للرأي مكان آخر، فكان هيكل يحرص ألا يخلط بين الخبر ووجهات النظر. يستحق هيكل ان تحتفي به الصحافة العربية وليس المصرية فقط بعد هذا العمر الطويل والجميل في خدمة الصحافة، وان تذكر هذا الجيل بالمرتكزات الأساسية التي لابد ان يحافظ عليها. هذه الثوابت هي التي صنعت هيكل وجعلته مدرسة متكاملة، هذه الثوابت هي ايضاً التي جرت على هيكل كثيراً من الخصومات والعداوات والمضايقات، فحاولوا تحطيمه وعزله والتشكيك في تاريخه، وما أصعب ان يحاربك رئيس دولة هو رئيس دولتك، وان تحاربك الحكومة بامكاناتها وقدراتها والمحسوبين عليها. هذه مرحلة مر فيها هيكل وعانى منها، لكنه خرج منها كبيراً كما كان، ورحل الرئيس وحكومته وبقي هيكل. وما زالت كبريات الصحف في اشهر عواصم العالم من اليابان الى امريكا وبريطانيا تقدر مقالاته وتحرص على نشرها وتحلل افكاره واطروحاته، ولا يزال هيكل عند القارئ العربي هو أهم كاتب يحرص على انتظار كتاباته، وهذا وحده انجاز يحسب لهيكل، ان يجعل القارئ العربي الذي لا يقرأ او لا يحب هذه الهواية.. يجعله يقرأ!