يتجاذب الشأن السوداني اليوم في الإدارة الأمريكية تياران، أحدهما قديم متشدد ينتمي إلى مدرسة وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، لا يتورع عن تأجيج النعرات العرقية والدينية كمقدمة لتفكيك السودان، واعتماد نهج الاذعان وأساليب العقوبات السياسية والاقتصادية في حماية مصالح الولايات المتحدة، والشواهد على ذلك كثيرة وبينها تقييد حركة الدبلوماسيين السودانيين ووضع السودان في القائمة الأمريكية التي تضم الدول التي ترعى الإرهاب، نهاية بقصف مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم، ودعم وتمويل المعارضة السودانية وحثها علانية للإطاحة بنظام الجبهة الإسلامية. أما التيار الثاني فيضم نخبة جديدة من الدبلوماسيين الذين يعايشون الواقع السياسي في السودان بحياد وموضوعية ومن دون عقد تكبل مسعاهم لبناء علاقات إيجابية وبناءة مع الخرطوم وينتمون لمدرسة كولن باول ولا شك أن هذا التيار لعب دورا بالغ الأهمية مؤخرا في إنجاز إتفاقية وقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبه بين الوزارة الحكومية وقوات التمرد، وقد اختار المبعوث الأمريكي جون دانفوس أن يبدأ مهمته في جبال النوبه لعدة أسباب، أولها أن هذه المنطقة موضع خلاف بين الحكومة وحركة التمرد حول شمولها بحق تقرير المصير، ولأنها ثانياً كانت موضع اهتمام الرأي العام الأمريكي إثر الأنباء التي تتحدث عن ممارسة تجارة الرق وخطف النساء والأطفال في ربوعه، وحدد المبعوث الأمريكي أربعة أسابيع فقط متصلة يتم خلالها إغاثة المنكوبين من المجاعات والأمراض من دون التعرض لإطلاق النار، تعزيزا للثقة بين الجانبين وتوطئة لتفعيل أربعة خيارات جديدة تتناول حلول بعض جوانب من الأزمة السودانية. لكن على ما يبدو أن الرياح لم تأت بما تشتهيه سفن دانفوس، فقد عادت الطائرات العسكرية الحكومية إلى قصف المدنيين في جبال النوبة، ثم اعتذرت الحكومة عما حدث بدعوى الخطأ، ولم تمض أيام حتى تكرر الخطأ الذي راح ضحيته عدد من المدنيين الذين إصطفوا أمام قافلة إغاثة دولية لإستلام نصيبهم من الطعام، وهكذا في موجه غضب وعصبية قررت الإدارة الأمريكية وقف إتصالاتها مع أي مسئول سوداني حول مشاريع السلام، ومن جديد فتحت الحكومة السودانية على نفسها الأبواب التي كانت قد نجحت في إغلاقها منذ شهور لتبرئة ساحتها من تهمة الضلوع في الإرهاب، وإفلاتها بالتالي من الإنتقام العسكري الأمريكي، عبر الكم الثمين من المعلومات الأمنية التي قدمتها إلى سلطات التحقيق الفيدرالية حول نشاطات ابن لادن وتنظيم القاعدة، وترحيل غيرهم من الأصوليين المتطرفين إلى خارج السودان . على أن التضخيم من دور المبعوث الأمريكي وقدراته على حل المشكلة السياسية المستفحلة في السودان يتسم بعدم الواقعية، صحيح أن أمريكا تراجعت في الآونة الأخيرة عن موقفها الضمني السابق إزاء فصل جنوب السودان عن الوطن الأم، ورحبت كذلك بمبادرة دول الإيجاد والمبادرة المصرية الليبية، فضلا عن إنشغالها بتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن من المتعين الإلتفات إلى نشاطات دانفوس المحمومة في أوساط الحكومة والمعارضة ودول الجوار، كونها تستهدف إنضاج طبخة التسوية في السودان تدريجيا على نار هادئة تحت ستار معالجة القضايا الإنسانية، وإلا فما الذي يغري زياراته التفقدية للأوضاع في جبال النوبة ومسارح العمليات العسكرية في الجنوب وتجمعات النازحين في الخرطوم. وبصرف النظر عن متابعة وتقييم نشاطات المبعوث الأمريكي بمنطق التوجس أو المؤامرة، وإتهامه تارة بممالأة حركة التمرد وسعيه من وراء الستار إلى عودة القائد العسكري الجنوبي رياك مشار إلى تحالفه السابق مع جون قرنق، وما يتردد عن دعمه للنشاطات التبشيرية والتعاون مع مجلس الكنائس العالمي في جنوب السودان، إلا أن النخب السياسية السودانية لا تلوم سوى نفسها، فالحكومة تمسك بتلابيب السلطة عبر قوانين الطوارئ، والمعارضة منقسمة نصفها داخل السودان والنصف الآخر خارجه، واصحاب المبادرات يطاردون الفرقاء السودانيين للجلوس معا لتطبيع العلاقات وهو أضعف الإيمان دون طائل وكلها حقائق يلمسها القاصي والداني ولا تحرك ساكنا بعد أن باتت المصالح الحزبية والشخصية الضيقة تجب مصلحة السودان العليا في الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية والديمقراطية والسلام والحريات العامة وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة.. فأي مستقبل إذن ينتظر السودان! ـ كاتب مصري