القمة الأوروبية التي تنعقد في برشلونة اليوم الجمعة وغدا السبت، ويحضرها 28 رئيس دولة وحكومة أوروبية، و 56 وزير اقتصاد وخارجية يمثلون دول الاتحاد الحاليين والدول الطامحة إلى الانضمام للاتحاد،، هذه القمة تأتي في لحظة يرى المحللون أنها «غير مناسبة» على الإطلاق لاتخاذ قرارات هامة، أو قرارات يمكن وصفها بأنها تاريخية كما كان يحلم «خوسيه ماريا أزنار»،رئيس وزراء إسبانيا ورئيس الدورة الحالية للمجلس الأوروبي، الذي أصبح يرى في نفسه زعيما «عالميا» بعد أن تحولت المعارضة الداخلية -في نظره- إلى مجرد «مجموعات» من البشر لا رأي لهم في ظل الأغلبية المطلقة التي يتمتع بها حزبه في البرلمان،وغير مواتية كذلك لأي من الأطراف التي تمثل فيها بلادها في إطار الاتحاد الاوروبي، سواء من الأعضاء الحاليين أو ممثلي الدول التي تحاول الانضمام إلى الاتحاد، فهناك إطار داخلي أي أوروبي محلي، وآخر خارجي أي مفروض من الخارج بسبب الظروف السياسية العالمية في الوقت الراهن يجعل إمكانية إنجاح تلك القمة بالتوصل إلى قرارات تحظى بموافقة الأغلبية أمرا صعبا. من ناحية الإطار الخارجي والمتعلقة بالأوضاع السياسية العالمية الراهنة، شهدت أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة عددا من التحركات والتصريحات لزعماء عدد من دولها الرئيسية والمؤثرة حول الأحداث السياسية في العالم، دلت في المقام الأول على أن أوروبا لا تزال بعيدة جدا عن أن يكون لها صوت واحد، أو على الأقل موقف متناغم، تجاه قضايا ساخنة يمكنها أن تؤثر على مصالحها الحيوية. نقصد تلك التصريحات والمواقف التي حاول من خلالها بعض الزعماء الأوروبيين الرد على موقف الرئيس الأمريكي جورج بوش حول ما يسميه «محور الشر»، والاستعدادات التي تسربت أنباء عنها لضرب العراق على الطريقة نفسها التي يتم بها التدخل في أفغانستان، أو العودة إلى االخيار النووي في حروب أمريكا الخارجية، ثم التطورات الخطيرة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تعيش فريسة لإرهاب الجيش الإسرائيلي وحكومة شارون في ظل تواطؤ أمريكي وصمت عالمي. بطولة مفتقدة في البداية أعلن بعض الزعماء الأوروبيون رفضهم للتصنيف الأمريكي وتقسيمه لدول العالم ما بين «شريرة»و«خيرة»من جانب واحد ودون تقديم أدلة على «شر»الدول الشريرة، مما يمكن أن يكون له خطورته على السلم العالمي، والدخول في ديناميكية عسكرية يمكن أن تؤدي إلى مواجهات تهدد المصالح الأوروبية في مناطق عديدة من العالم، وكان يبدو أن هناك اتجاها لاتخاذ موقف أوروبي موحد من الرؤية الأمريكية، حتى أن رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار رئيس الدورة الحالية للمجلس الأوروبي تشجع وخرج عن موقف «المؤيد»بلا تحفظ للسياسات الأمريكية ليقول أن ضرب العراق مرفوض تماما، وأن على الولايات المتحدة أن تستمع إلى وجهة النظر الأوروبية، لكن الموقف البريطاني أجهض هذا الموقف بإعلان توني بلير عن موافقته على مشاركة بلاده في أي عمل عسكري ضد العراق، مبررا هذا الموقف بما اسماه «إنهاء معاناة الشعب العراقي قي ظل حكم صدام حسين». بعدها بقليل كانت تصريحات بعض الزعماء الأوروبيين حول الموقف الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الناتج عن التطرف الأحمق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لا يرى حلا سوى القضاء التام على الشعب الفلسطيني، أو على أقل تقدير القضاء على مقاومته لأي حل مفروض من الجانب الإسرائيلي وحده، وتأزم الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل بعد أن تعرض مكتب ياسر عرفات لإطلاق صاروخ «مباشر» أثناء اجتماعه بميجيل موراتينوس مندوب الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، فخرجت التصريحات الساخنة من عدد من العواصم الأوروبية تطالب باتخاذ موقف أوروبي موحد، هذا شجع أيضا رئيس الوزراء الإسباني ووزير خارجيته، بحثا عن «بطولة»مفتقدة لدى الاثنين، وانطلقا فيما وصفه بعض المراقبين في العاصمة الإسبانية «استغلال الفرصة»، وقررا الدعوة إلى إصدار بيان موحد تجاه الوضع هناك يدين شارون ويطالب بوقف ما أسمياه «العنف الإسرائيلي»، لكن تناقض المواقف بين العواصم الاوروبية، بعضها يحاول التنصل من الموقف الأمريكي فيما البعض الآخر، طالب بأن يكون البيان مشتركا مع الولايات المتحدة، وهو ما أجهض في النهاية الموقف الأوروبي «الموحد»، لأن الولايات المتحدة لا تريد لأي قوة في العالم التدخل فيما تعتبره في صميم «مناطق نفوذها الخاصة». هذا الموقف الأخير انتهى إلى أن يبتلع رئيس وزراء إسبانيا ووزير خارجيته تصريحاتهما، ولاذا بصمت مريب، مما عرضهما لتهكم الأحزاب الوطنية المعارضة، وبعض المراقبين السياسيين الذين يراقبون الأحداث في العاصمة الإسبانية عن كثب باعتبارها عاصمة الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري. مصالح متضاربة من هنا فان الأهداف التي أعلنها رئيس الوزراء الإسباني خلال خطاب توليه رئاسة الدورة الحالية للمجلس الأوروبي أصبحت غير قابلة للتحقيق، في ظل الانقسام وتعارض المصالح الظاهر بين زعماء دول الاتحاد الأوروبي، ما بين ما يسمونه بالمحور «الفرنسي ـ الألماني» بزعامة جوسبان وشرويدر، في مواجهة شبه الاتفاق «الإيطالي ـ البريطاني ـ الإسباني» ما بين بيرلسكوني وبلير وأزنار. فقد كان على هذه القمة أن تسير قدما نحو تحقيق الأهداف التي تم الاتفاق عليها خلال قمة «لشبونة»التي انعقدت في البرتغال خلال شهر مارس عام 2000، والتي تقرر فيها العمل على التحرير الكامل لسوق إنتاج وتوزيع الغاز والكهرباء، وكذلك شبكات المواصلات ووسائل الاتصال، والتوصل إلى إقامة سوق خال من البطالة العمالية بحلول عام 2010، والاستخدام الكامل للتكنولوجيا الحديثة في الشركات والمدارس والبيوت، ودفع الاقتصاد الأوروبي ليكون من اكثر اقتصادات العالم قدرة على المنافسة. إلا أنه إضافة إلى الظروف المحيطة بلحظة انعقاد تلك القمة والتي أشرنا إليها سابقا، هناك العديد من العوامل الداخلية التي تجعل التوصل إلى اتفاق حول تحقيق تلك الأهداف من الأمور غير المؤكدة، منها أن معظم الدول الأوروبية لم تنجز ما تم الاتفاق عليه في القمم السابقة طبقا لجداول تاريخية تم اعتمادها، حيث ترى فرنسا ومعها ألمانيا أنه لا يمكن الوصول إلى التحرير الكامل لإنتاج وتوزيع الغاز والكهرباء دون التأثير السلبي على مصالح المواطنين. وهو ما اعتبره رئيس الدورة الحالية بأنه موقف ناتج عن التوجه اليساري لكل من حكومتي فرنسا وألمانيا، وهو موقف يختلف كثيرا عن رؤية رئيس الوزراء الإسباني اليميني التوجه الذي يرفع شعار «التحرير الكامل»بغض النظر عن التأثير السلبي لهذا التحرير على المجتمع، وهو موقف يؤيده فيه رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو بيرلسكوني، وأيضا رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، على الرغم من المعارضة التي بدأت تظهر في صفوف حزب العمال الحاكم في بريطانيا والتي ترفض هذا التوجه نحو الحرية المطلقة لرأس المال بغض النظر عن السلبيات الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن ذلك. البحث عن مسار فيما يبذل رئيس الوزراء الإسباني كل جهوده للحصول على موافقة جماعية على توجهه اليميني اقتصاديا، ويحاول أن يسجل نصرا اوروبياً يدعم حلمه بالزعامة داخليا، فان رئيس الوزراء الألماني شرويدر يبحث عن التوازن ما بين مصالح الشركات الصناعية ومصالح المجتمع، لأن الحكومات «يجب أن تتحمل عبئا في توفير الخدمات الأساسية للطبقات الاجتماعية غير القادرة». أما الموقف الفرنسي من مطالب رئيس وزراء إسبانيا للتحرير الكامل للأسواق، فقد جاء عبر تقرير تم نشره في باريس قبل أيام قليلة من القمة، يطالب التقرير باهتمام اكبر بالجوانب الاجتماعية قبل اتخاذ أي قرارات اقتصادية من هذا النوع، ويشير إلى انه إذا كان هناك توجه للتحرير الكامل لسوق إنتاج وتوزيع الغاز والكهرباء يجب أن يرافق هذا التحرير إصلاحات ضرائبية واجتماعية لصالح المواطنين. ترفض أيضا ألمانيا وتدعمها الدول الاسكندنافية فكرة إنشاء بنك «أوروبي متوسطي» لمساعدة دول الجنوب المتوسطية، وهي فكرة تقدم بها رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار يحاول من خلالها استغلال المساعدات الأوروبية لطرح نفسه كزعيم في وسط التجمع المتوسطي الذي بدأته إسبانيا مع كل من مصر وفرنسا وإيطاليا في عهد ما قبل خوسيه ماريا ازنار وبرلسكوني، وتبرر بعض الدول الأوروبية عدم الموافقة على إنشاء هذا البنك بأنه يعود إلى أنها توجه نسبة كبيرة من مساعداتها الخارجية لإقامة مشروعات في دول فقيرة في حاجة للمساعدة، بينما ترفض حكومة خوسيه ماريا ازنار زيادة مساعداتها الخارجية الموجهة لإقامة مشروعات في الدول الفقيرة، وهو ما يخلق تناقضا بين موقف رئيس الوزراء الإسباني وفكرته حول البنك الأوروبي المتوسطي. إضافة إلى هذا فإن معظم المراقبين يرون أن محاولات رئيس الوزراء الإسباني التوصل إلى قرارات أوروبية اكثر تطرفا لفرض رؤيته حول تحرير اكبر تطرفا للاقتصاد ستكون نتيجتها معارضة اكثر عنفا من جانب «رافضي العولمة» الذين استعدوا للقمة بمظاهرات ضخمة في برشلونة قبل وخلال وبعد القمة، وهو وجود أثار زوابع سياسية داخلية في إسبانيا بعد أن خرج رئيس الوزراء بتصريحات يتهم فيها الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية باتهامات تكاد تصل إلى حد «الخيانة»الوطنية، وهي تصريحات من المنتظر أن تكون لها ذيول بعد انتهاء القمة، لان الحزب الاشتراكي الإسباني الذي يمثل المعارضة الرئيسية في البلاد منح أعضاءه الحرية الكاملة في المشاركة في أي مظاهرات رافضة للقرارات الاقتصادية التي يمكن أن تخرج من القمة، وتكون لها تأثيرات سلبية اجتماعيا. قمة برشلونة لا يبدو أنها تسير في الاتجاه الذي يريده رئيس الوزراء الإسباني ورئيس الدورة الحالية للمجلس الأوروبي، ويرى المراقبون أن التشاؤم كان وراء إلغاء خوسيه ماريا ازنار جولته في الدول الأعضاء في الاتحاد، وهي جولة يقوم بها عادة رئيس دورة المجلس الأوروبي قبل أي حالة انعقاد. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com