حينما تقترب من أي مثقف او مفكر او مبدع عربي تشعر بذلك الأسى المحمل في صدره، وتبدو كل الكلمات محملة بالعتب والتعب والغربة، وحينما تدير رحى الحوار معه بالجدل او المهادنة تكتشف في الحالتين ان هذا الانسان القريب منك، المفكر،المبدع، الاكاديمي الذي ملأت شهرته ارجاء الوطن العربي الكبير تكتشف كم هو حزين، وكم هو طفل صغير وديع ترتجف اطراف اصابعه من هول ما رأى وما اكتشف وما نظر وما امعن فيه من تفكير. كل المبدعين العرب ومن هم يسجلون في دفتر الثقافة العربية حزانى، غرباء عن مكانهم ووقتهم، يقولون لك العبارة نفسها والكلمات ذاتها، نحن في هذا الوطن الكبير الذي نحرق اعصابنا وحيواتنا من اجله لا نشعر بالدفء، نحن في اخر الطوابير التي لا تلبى رغباتها واحلامها، نحن كما يبدو مهملون وغير مرغوب فينا، في الوقت الذي نرغب فيه نحن ان يكون هذا الوطن الكبير قصرا كبيرا في قلوبنا يمنحنا كل ما نحتاج ونطلب. تشعر امام عبقرية عربية انك امام طفل في حالة فطام دائمة، لهذا يقول لك دائما في المشاريع الرسمية لا تدرج اسماءنا كما تدرج اسماء الشركات الاجنبية، واذا ما هبت رياح سامة على الوطن لا تتخذ صدورنا درعا له، بل نحن اخر ما يمكن التفكير في امرهم. في اروقة المكان الذي تجمعت فيه كوكبة من خيرة المبدعين العرب بالامس لحضور احتفال توزيع جوائز الدورة السابعة لجائزة سلطان العويس الثقافية، كثيرون هم الذين ابدوا شعوراً بالفطم من اثداء الوطن الكبير. بعضهم تحدث عن غربة عاشها ويعيشها في وطنه الام وفي كل الاوطان، وبعضهم يتأسف كثيرا لانه يعيش في بلد غريب عنه، ويتأسف لان عقله يعطي خارج بلاده الام. هؤلاء حينما تسألهم عن هذا الحزن الذي يصادقونه يقولون لك ايضا انهم اكثر الفئات احتياجا لصدر الوطن العربي الكبير، وانهم متعبون كثيرا من التفكير العميق في امره، وانهم لا يريدون ان يصابوا بعجز التفكير فيه لكنهم يخشون من ان هذا الوطن ربما استمر في هذا الصدود الذي يعتبرونه مؤقتا. لماذا تسيطر على المبدع العربي حالة الحزن هذه؟ ولماذا هو مهموم بهذه الاثقال وهو الذي يفترض ان يكون الاكثر انسجاما، واكثر استقرارا لكي يعطي وينتج ويندمج الكل في عطائه؟ ايضا حينما تصدم احدهم بهكذا اسئلة يقول لك لا احد يلتفت الينا، اننا نصرخ في واد غير ذي زرع، واننا نزرع ومن حولنا من يعيش على موت النبت باكرا، اننا سنبقى نحسد المبدع الاجنبي في اوطانه لانه المتنعم بكل ما ينقصنا. عندما تقترب من احد الفائزين لتهنئته بالفوز تشعر ان الرجل الذي اطلق الجائزة قد ادرك جيدا ذلك الحزن الذي يرافق مفكرينا ومبدعينا العرب. تدرك ذلك جيدا. رحمك الله يا سلطان بن علي العويس.