تحت وطأة القهر مما يجري على أرض فلسطين، وارتفاع رايات عجزنا عن مجاراة مواكب الشهداء، وبطولات الشباب والفتيات، تهرب من أناملنا الاقلام، وتستعصي على أفئدتنا الحقيقة، وندخل في تيه مجاراة واقعنا الصامت، ونعلن على الملأ، أن السبل ضاقت وأحاطت بنا، وان الملمة استحكمت حلقاتها، ولا كاشف لها سوى رحمة رب العالمين، حتى وإن تعالت أصوات المرجفين المبشرين زوراً بمصالحة قريبة بين الذئب اليهودي والحملان الصامتة من ابناء أمتنا. واعترف حقيقة ان اعلامنا العربي راح ضحية مجاراة الصمت الرسمي، وتاه صوته وسط هوجة التضليل الدولي، ولم يكتشف بعد خديعة الموضوعية والحياد الواهم، التي يروّج لها الاعلام الغربي بأساليب شتى، رغم أنه غارق حتى نخاعه في الانحياز المبرمج وبتقنية نعجز عن مجاراتها. ففي ذروة تصعيد الارهاب الاسرائيلي ضد الابرياء من ابناء شعبنا العربي في فلسطين المحتلة، واطلاق شارون لجماح شهوته الارهابية في القتل الجماعي، وحصد أرواح ساكني المخيمات في الدهيشة وجباليا وغيرهما، نجد أن الفضائيات الامريكية ووكالات الانباء تصدر تقاريرها وقصصها بعناوين صممت لادانة الفلسطينيين مسبقا، حتى وان لم يفعلوا سوى محاولة الدفاع عن اراضيهم وكرامتهم. فعندما ارتكبت اسرائيل المذبحة تلو الأخرى، تتعامل مع الفضائيات الدولية ووكالات الانباء على أنها مواجهات روتينية وعنف متبادل، دون ان يهتز لها جفن خجلاً، لكنها تُشمر ساعديها بمجرد وقوع عملية مقاومة انتقامية، وتستفز في المشاهدين والقراء والصحفيين الرغبة في المتابعة، بالاعلان عن نبأ عاجل: عملية ارهابية في القدس، أو نتاليا، أو تل أبيب، وتعنون تقريرها ارهابيون فلسطينيون يُفجّرون مقهى أو حافلة. وهكذا بمنهج التضليل المبرمج، وباستخدام مصطلحات خادعة مراوغة، يتم التعتيم على المذابح والمجازر وحرب الإبادة لشعب اغتصبت ارضه، وفُرض عليه من الاشقاء قبل الاعداء، ان يستجدي غاصبيه كالأيتام على موائد اللئام، ويصبح هو الارهابي المطلوب ادانته، وفي احسن الاحوال تدجينه. اما اعلامنا الفضائي، فلا نعلم السر في تبنيه منطق الحياد الظالم، ولماذا تغيب عنه الدافعية ولا يكتفي ببث لقطات سريعة عن المذابح، ولماذا لا يلبي حاجة المواطن العربي في معرفة وفهم ما يجري، ويُعرفه بالبطولات وبقصص الشهداء، نافخاً في روحه قبساً من البطولة، ويحفزه على التفاعل والتحرك بدلاً من تلك النظرة الحيادية المخزية والظالمة. على أن افضل ما كشفته الملحمة الفلسطينية المتواصلة على مدار الساعة، هو تجديد الثقة في امكانية انتصار الارادة على عجز الواقع، وان الحجر المشحون بالثأر قد يحقق ما تعجز عنه جيوش مجهزة بأسلحة فتاكة. ولا يخفى على فَطِن سر هشاشة الاستجابة العربية، ونقصد طبعاً النخب السياسية والثقافية وليس الدوائر الرسمية الغارقة في صمتها بفعل إدمان المنطق التبريري للسلطة القائمة، والتقاتل على الالتحاق بها، ونيل شرف خدمتها، والتمتع بمزايا وثمار هذه الخدمة، انقطعت صلتها بالجمهور، فيما خلا التعيش على ماضيها ان كان لها ماضٍ مشرف! اما الشعب العربي عموما، فمازال على يقينه وان تراجعت قدراته على التحرك، بفعل ديمومة حصار الاجهزة الامنية وغيرها، او تحت ضغط الازمات اليومية، والفراغ الحادث بسبب انكشاف الساحة وعدم وجود قيادات موثوقة، وهو فراغ تاريخي يتكرر في فترات التحولات. ولمن لا يصدق، ان شعوبنا تختزن قدرة استثنائية على التحرك، ان يراجع قصة التلاميذ الثلاثة الذين ارتحلوا من اسيوط في قلب صعيد مصر المنكوب بكارثة احتراق المئات في قطار العيد الى العريش، باحثين عن مكاتب للتطوع في صفوف الانتفاضة، وكأنهم يعيشون زمناً عربياً، غير زماننا الموصوم بالصمت المهين!