دعاني اصدقائي في احدى هيئات الخدمات الاجتماعية الى القاء كلمة في حفل توزيع الجوائز التي يقدمونها للتميز في العمل الاجتماعي والتطوعي لعام 2002. ولم أتردد في قبول الدعوة لأسباب: منها تقديري الشخصي للصديقات والأصدقاء الذين رأيت حماستهم للعمل الاجتماعي والثقافي ومحبتهم له. ومنها تقديري الموضوعي لأوجه الانجاز التي لمستها في الآفاق المتعددة لعمل الهيئة. ومنها ايماني العميق بدور الجمعيات الاهلية في تحديث المجتمع وصناعة المستقبل. ويلتقي التقدير الشخصي والموضوعي في معنى الاستجابة الفورية الى أولئك الذين يؤكدون بعملهم الرغبة في تحقيق أحلام الغد الواعد التي تجمعنا واياهم في مدى الفعل الاجتماعي الخلاق. وما أقصد اليه بمدى الفعل الاجتماعي الخلاق لا يبتعد كثيرا في الدلالة عن أفق التنمية في أبعادها الحديثة التي لم تعد مقصورة على المجال الاقتصادي وحده، بل جاوزته الى غيره من المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وربما كان أهم متغير حديث في مدلول التنمية الشاملة انها اصبحت تبدأ بتنمية العقول وتطوير الأفكار وتحرير الثقافة السائدة من كل ما يحول بينها وبين الاجتهاد الأصيل والابداع المتحرر، وذلك من منطلق ان تحرير الفكر وتطوير رؤاه هو الاساس في أي عمل تنموي. ولذلك فقد أصبح من المؤكد ان التنمية الاقتصادية لا معنى لها ما لم تصبح المفاهيم التنموية جزءا أصيلا من ثقافة أي شعب، كما أصبح من المؤكد، ايضا، ان ثقافة الشعب أي شعب لا يمكن اختزالها أو تحويلها الى مجرد عامل ثانوي، مساعد وهامشي، في عملية التنمية الاقتصادية. والنظرة التي تعزل الاقتصاد عن الثقافة هي نظرة قاصرة، شأنها في ذلك شأن النظرة التي تعزل الجوانب الاجتماعية أو حتى الصناعية عن غيرها من الجوانب المتفاعلة في عملية تحديث المجتمع أو تطويره، فالترابط وثيق بين جوانب الحضور الإنساني وانشطته المتباينة في كل مجتمع من المجتمعات. والأصل في أي تنمية هو الإنسان: صانع التنمية وهدفها في الوقت نفسه. وأتصور أن أي خطة للتنمية ـ أيا كان عنوانها ـ لابد ان يكون مصيرها الفشل ما لم تكن عنصرا فاعلا في نسق شامل، لعملية متكاملة، تتجاوب جوانبها الاجتماعية مع جوانبها السياسية والاقتصادية، وتغدو الثقافة فيها كالتعليم بمثابة القوة الدافعة للقاطرة التي تشد اليها عربات القطار في اندفاعها الى الامام. وقد ثبت ان فشل الكثير من مخططات التنمية التي سمعنا عنها، ولا نزال نسمع عنها في مجتمعاتنا العربية يرجع الى عوامل كثيرة على رأسها الثقافة السائدة التي تشيع معاني التقليد لا الابتكار، والنقل لا الابداع، والتواكل بدل المبادرة الفردية، والتعصب بدل التسامح، والانغلاق على النفس بدل الانفتاح على الآخر أو الآخرين في الكرة الارضية التي احالتها ثورة الاتصالات المعاصرة الى قرية كونية تعيش عصر م ابعد الصناعة أو عصر ما بعد المعلومات. واذا كانت التنمية الاقتصادية مقدورا عليها الفشل اذا صاحبتها ثقافة سائدة تقوم على القمع والتعصب أو التمييز بين المواطنين على أساس من جنس أو دين أو عقيدة أو طائفة، فإن الاصلاح السياسي لا أمل فيه مع هذا النوع من التنمية، خصوصا اذا كانت الثقافة السائدة تضيف الى القمع والتعصب والتمييز ما يرسخ التراتب الذي يقترن بعبادة الفرد الذي يغدو منزها عن النقد، او التراتب الذي يسهم في تغييب الوجه الأصيل للتعددية السياسية التي هي اللازمة الطبيعية لثقافة التنوع البشري الخلاق القائمة على مبادئ الحوار المتكافئ واحترام حق الاختلاف. ولا أحسبني أبالغ كثيرا ـ في هذا المقام ـ لو قلت ان الثقافة هي المدخل السليم لكل قضايا التنمية، خصوصا في مجتمعاتنا التي لا تزال تعاني من أشكال الأمية بمعانيها المختلفة ولا يزال يعتمد فسادها السياسي على موروث اجتماعي جامد يستند الى المفسدين، أو على الأقل يستمدون منه تبرير أفعالهم التي تهدف الى ابقاء التخلف على ما هو عليه. والواقع أن البدء بتثوير الأوضاع الثقافية وتغيير أفكارها السائدة هو الشرط الحتمي للتطوير الاقتصادي والاصلاح السياسي وتحرير المجتمع من كل مايعوق التفاعل المستمر بين طوائفه واجناسه واديانه. ومانراه حولنا ـ في أوطاننا العربية ـ يؤكد ذلك الى أبعد حد، خصوصا بعد ان شاعت ثقافة الاتباع والتقليد نتيجة عوامل كثيرة، الأمر الذي تفاعل مع تعدد أوجه الفساد السياسي والخلل الاقتصادي والتصلب الاجتماعي والقمع الفكري. وقد ترتب على ذلك أمران لا يزال لهما تأثيرهما السلبي في عملية التنمية التي لا تكاد تخرج من ازمة الا لتقع في كارثة. ويتصل أول هذين الأمرين بظاهرة العنف التي استشرت في حياتنا، والتي امتدت من عنف استخدام الكلمات التي تحولت الى أسلحة معنوية للارهاب الفكري، الى استخدام الأسلحة المادية التي هدفت الى التصفية الجسدية للخصوم أو المخالفين. وبقدر ماكان ذلك علامة على غياب الحوار الفكري والمجتمعي، في بلاد لا تعترف بالتعددية أو التنوع، كان ذلك بالقدر نفسه علامة على استشراء الفساد بكل لوازمه العديدة التي نراها في زماننا. أما الأمر الثاني فيرتبط بما أسميه ظاهرة التدين التي شاعت في حياتنا مقترنة بالتطرف الديني الذي نقل التدين من طبيعته السمحة القائمة على المجادلة بالتي هي أحسن الى طبيعة مناقضة تقترن بالعنف، وتدفع الجميع الى تبرير كل شيء باسم الدين، حتى ماليس له علاقة مباشرة به، وذلك لكي يكونوا بمنجاة من الهجوم القمعي للمتعصبين دينيا. وكانت النتيجة أن اختلطت الأمور، وأصبح التبرير الديني غير المبرر في أحيان كثيرة سندا لأي فعل من الافعال، وحجرا على أي ابداع مختلف أو اتجاه مغاير. وقد تفاعلت هذه الظاهرة مع درجة عالية من الأمية في حياتنا الفكرية والثقافية فأدت الى تصاعد قوى الضغط الاجتماعي لجماهير مضللة دينيا، ومغرقة في نزعاتها الاتباعية الجامدة. ونتج عن ذلك شيوع نوع غير منظور من الرقابة الذاتية التي يفرضها المبدعون أو المفكرون على أنفسهم، خوفا من مخاطر سوء الفهم أو تهم التكفير التي انتهت باغتيال أمثال فرج فودة او الاعتداء على امثال نجيب محفوظ. واذا كان شيوع العنف قرين شيوع ظاهرة التدين من حيث الدلالة على نوع الثقافة التقليدية الجامدة السائدة في مجتمعاتنا، فإن كلا الجانبين قرين غياب ثقافة الحوار بكل أبعادها الثقافية والسياسية والدينية، كما أن كليهما علامة ثقافة متخلفة لا يمكن المضي في أية خطة من خطط التنمية الشاملة الا في موازاة العمل على تغيير هذه الثقافة بما يجعل منها ـ في حال تغييرها ـ دافعا من دوافع التنمية ومقدمة منطقية لها. وتلك مهمة حتمية مقدور علينا أن نرتفع الى مستوى تحدياتها، خصوصا بعد أن تسارع ايقاع المتغيرات العالمية بما لا يدع فرصة لتكاسل أو تباطؤ، والا خرجنا من مشهد التاريخ الصاعد. ومن المؤكد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تضيف الى ضرورة الاسراع بعمليات التغيير الثقافي، خصوصا بعد أن أوضحت هذه الأحداث ـ أولا ـ ماذا يمكن ان يفعله الارهاب الديني أو يؤدي اليه، وبعد أن دفعت هذه الأحداث ـ ثانيا ـ الولايات المتحدة، امبراطور العالم الجديد، الى البدء في اعادة تشكيل خارطة العالم، والتدخل في شئون التعليم والثقافة لشعوب العالم الثالث، وبخاصة بعض الشعوب العربية، باسم مكافحة الارهاب. وتقديري ان هذا الوضع العالمي يفرض علينا تعميق التفكير في قضايا حوار الحضارات، واعادة بحث أبعاد العلاقة بين الأنا والآخر في كل مستوياتها، وذلك من منطلق التنوع البشري الخلاق الذي أكدته اليونسكو في تقاريرها المتعددة، ومن منطلق الوعي النقدي الذي يضع الأنا نفسها موضع المساءلة، دون شعور بالدونية أو رغبة في اخفاء النقص، فالمبدأ الأول لأي حوار حضاري حقيقي هو القدرة على نقد الذات قبل نقد الآخرين، أو القدرة على مساءلة الذات وقت مساءلة الآخرين، فذلك ماتفعله الذوات الواثقة من نفسها ومن قدرتها على الحوار المتكافئ مع الآخر أو الآخرين أيا كان، أو كانوا.