الفلبين وجورجيا، مثلها مثل بلدان العالم الثالث الاخرى، ليستا بحاجة ـ من حيث ترتيب الاولويات ـ الى جنرالات وجنود أجانب بقدر ما هما بحاجة الى المزيد من المستشفيات والمدارس ومستلزمات العيش اليومي الكريم للأسر والأفراد. ومن المؤسف ان جورج بوش رئيس الدولة العظمى الكبرى، اذ يحيي ذكرى مرور ستة شهور على احداث سبتمبر وما تلاها من حرب امريكية «ضد الارهاب»، لا يزال يتحدث عن الاعراض والنتائج مع تجاهل الجذور والأسباب. لقد اعلن بوش على العالم ان الفلبين وجورجيا مهددتان بأن تصبحا افغانستان ثانية، داعيا الى القضاء على «الطفيليات الارهابية» فما هي الطفيليات الارهابية الحقيقية؟ قبل نحو ثلاثة اسابيع نشرت صحيفة بريطانية تحقيقا مصورا لمراسلها في العاصمة الفلبينية مانيلا، يكشف ان المستشفيات الحكومية في معظم المدن الفلبينية تعتذر عن اجراء عمليات جراحية لانها لا تتوافر لديها حقن التخدير ويقول المراسل ساخرا انه عوضا عن ارسال 650 جنديا امريكيا مسلحا الى الريف الفلبيني لمقاتلة تنظيم فلبيني اسلامي، كان الاجدر بالولايات المتحدة ان ترسل شحنات من حقن التخدير الى المستشفيات العامة في المدن الفلبينية. وتأمل المسألة في العمق: عجز الحكومة الفلبينية عن تزويد مستشفياتها بأدنى الاحتياجات الضرورية لانقاذ الحياة ناتج عن الشح المزمن في ارصدة النقد الاجنبي، وسبب الشح النقدي المزمن هو أن معظم دخل الصادرات بالنقد الاجنبي يذهب الى سداد فوائد متراكمة لديون خارجية متراكمة، واصحاب الديون في الأغلب بنوك تجارية امريكية. هذا نموذج واحد للطفيليات الارهابية الحقيقية التي يتجاهلها جورج بوش. اما التنظيمات السياسية التي تلجأ الى العنف كأسلوب اوحد، فانها تخرج الى حيز الوجود كتعبير صارخ عن حالة التذمر الشعبي العام من انهيار خدمات العلاج والتعليم وكافة المرافق العامة، مع استشراء سوء التغذية وتراجع المستويات المعيشية للاسر يوما بعد يوم بما يؤدي الى ظواهر التسول والدعارة .. ثم الهجرة الى الخارج. وجذور كل هذا تكمن في سياسة الافقار العمد التي تمارسها المؤسسات المالية الامريكية ومعها مؤسسات عالمية في مقدمتها صندوق النقد الدولي تقرض الدول الفقيرة لتسترد القروض اضعافا مضاعفة. وعلى الصعيد العالمي الأعرض هناك تحديات اعظم تهدد البشر اجمعين. واذا كان الرئيس الامريكي يبشرنا بحرب عالمية ضد «الطفيليات الارهابية» فاننا نتساءل: ألم يسمع جورج بوش بعصابات الجريمة المنظمة وشبكات تجارة المخدرات والشبكات العالمية لتجارة الجنس عبر الحدود التي تتخذ من الفتيات والصبية، بل والاطفال، سلعة؟ والا يعرف الرئيس الامريكي وباء الايدز الذي يناهز عدد المصابين به حاليا 45 مليونا في جميع انحاء العالم .. علما بأنه رقم يتزايد ولا يتناقص؟ لقد قال الرئيس الامريكي في ذكرى مرور ستة شهور على احداث سبتمبر ان المرحلة الثانية من الحرب على «الارهاب» تهدف الى «ان يعيش كل ارهابي هاربا بحيث لا يكون لديه مكان يستقر فيه او يختبيء او يشكل تنظيما، وبحيث لا تقف وراءه حكومة ولايجد حتى مكانا آمنا ينام فيه». ولكن هذا الهدف متحقق بالفعل! بل وعلى نطاق اعظم مما يتخيله بوش. فمئات الملايين من شعوب العالم الثالث في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية يعيشون في مدن الصفيح لأنهم لا يجدون البيت الذي يستقرون فيه، ولا ينامون وهم مطمئنون بسبب انتشار الجريمة، ولا يستيقظون الا على هاجس كيفية تدبير الوجبة التالية، وعندما يحتجون سلميا تهب في وجوههم اجهزة القمع المنظم التي يسلطها عليهم حكام فاسدون تحمي فسادهم وبقاءهم الولايات المتحدة الامريكية. وهذا هو لب القضية: الفقر المدقع مع الكبت السياسي في العالم الثالث يفرز تنظيمات تضطر اضطرارا الى اعتناق مبدأ العنف، لمجابهة انظمة حاكمة متواطئة مع رأس المال الامريكي لنهب الموارد الوطنية. وبالتالي يكون دور الادارة الامريكية ورئيسها مساعدة هذه الانظمة في ممارسة القمع المنهجي باسم «مكافحة الارهاب».