الاقتصاد الإسرائيلي في تدهور مستمر، بقلم: عبد الكريم محمد عندما يجري تصنيف الدول اقتصادياً، غالباً ما توضع اسرائيل في مصاف الدول العظمى، المعافاة اقتصادياً، دون البحث أو التدقيق في خلفيات هذه التصنيفات التراتبية، التي تقوم على أساس من التعتيم، لجملة من الأهداف السياسية التي لسنا بهدف تعدادها أو تبيانها في هذا المقام. بل أكثر من ذلك تتجاهل هذه التصنيفات نمطية علاقاتها الاقتصادية المختلفة كل الاختلاف عن كل دول العالم، باعتبارها رأس سهم مكثف لمجموع الشركات المافوق قومية، أو إذا شئت فروع متنوعة لتلك الشركات، التي تأخذ من عواصم الغرب ومدنه الصناعية مقراً لها، خاصة نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية الكبرى. أي أن الاقتصاد الإسرائيلي يشكل حالة متميزة في عالم الاقتصاد، باعتباره اقتصاد طرفي متميز مربوط بالمركز، وأن قوته لا تنبع من كونه معافى أو ما إلى غير ذلك من التسميات، كما يحلو للبعض مقارنته باقتصاديات الدول العربية خاصة المحيطة بإسرائيل، من خلال الدراسات المقارنة، التي نسمعها، أو نقرأ عنها في بعض الأحيان، بقدر ما هو اقتصاد مدعوم بشتى الهبات والتبرعات وأنواع الدعم التي تندرج تحت مجموعة من المسميات، لا تنطبق إلا على ذات الحالة اللقيطة دون غيرها، والتي تتجاوز حالة الرعاية والدعم، لتصل إلى التوأمية مع دولة المركز، الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة إذا ما علمنا أن دافع الضريبة الأمريكي، هو جزء مكون لحالة الاقتصاد الإسرائيلي . لكن، على الرغم من وجود هذه العلاقة، يعيش الاقتصاد الإسرائيلي، كغيره من اقتصاديات دول العالم الثالث، حالة من العجز والركود والنكوص، في كل قطاعاته الاقتصادية، كانت تحدثها فيما سبق حالة المقاطعة الجزئية، لتأتي انتفاضة الأقصى لتقض على كل الآمال التي كانت متوخاة، لدى صانع السياسة الاقتصادية الإسرائيلي، الذي كان يرى في عملية التطبيع والشرق أوسطية المناخ الخصب، بل والمناسب لمد جسوره باتجاه التحكم والسيطرة على اقتصاديات المنطقة، وربطها بمشاريعه باعتباره مركزاً إقليمياً لا يمكن القفز عنه أو تجاهله، وأنه البوابة الوحيدة للمنطقة على العالم، خاصة الغربي منه. فحقيقة الأمر، أن الاقتصاد الإسرائيلي رغم الدعم اللامحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، من خلال مسمى التعويضات عن الهولوكوست وما إلى غير ذلك من هذه التسميات، يعيش هذه الأيام حالة من العجز والتردي، كما أشرنا، ولعل لغة الأرقام في هذا المضمار هي اللغة الوحيدة القادرة على كشف وتبيان الحقائق . وعلى ما أعتقد أن مصادقة الكنيست «البرلمان» الإسرائيلي على ميزانية العام الجاري 2002 ، دون أي تعديل، قامت ـ المصادقة ـ على فرضيات تتسم بتفاؤل مبالغ به، ولا أساس له، ولا تتلاءم مع الوضع الاقتصادي الحالي ومؤشراته . هذا الأمر دفع وزارة المالية الإسرائيلية الى دراسة عدة بدائل لتقليص الميزانية، وتنفيذ هذه التقليصات في بداية العام المقبل، أي بعد أن تتم المصادقة على الميزانية بالقراءة الثالثة، وترتبط هذه التقليصات بمؤشرات الوضع الاقتصادي في الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، والوضع الأمني، كما يرتبط حجم التقليص بالتطورات الاقتصادية ـ السياسية، وقد بات من شبه المؤكد بأن وزارة المالية سوف تدير سياسة شد الحزام في بنود الاتفاق، بما في ذلك تقليص ميزانيات التأمين الوطني. وهذا الأمر بحد ذاته قد دفع شارون في غمار مناقشة ميزانية عام 2002، إلى المطالبة بعدم زيادة الأعباء على الميزانية، وأكد حينها بأن الوضع الاقتصادي صعب جداً، وأنه من غير الممكن توسيع الميزانية، ووصف الوضع بأنه وضع طوارئ اقتصادي، واستعرض إمكانيات تجاوز هذا الوضع، فأشار إلى إمكانية إحداث تقليص كبير في الميزانية، من أجل الحفاظ على أهداف العجز، أو زيادة العجز في الميزانية على ضوء الظروف الخاصة، أو الدمج بين الأسلوبين وقد تكون البطالة إحدى المؤشرات على حالة الأزمة المستفحلة التي تعيشها اسرائيل منذ عام 1996 وحتى 2002 ، حيث تشير المصادر الإسرائيلية، أن نسبة البطالة حالياً هي أعلى بكثير مما تحدثت عنه تقارير مكتب الإحصاء المركزي التي صدرت في22/11/2001، وأنه كما يقول البروفيسور أربيه أرنون من قسم الاقتصاد في جامعة بن غوريون ، يجب أن نضيف إلى ال 5،234 ألف عاطل عن العمل بشكل رسمي على الأقل 40% آخرين يئسوا من العثور على عمل، وهذا يرفع العدد الكلي إلى 350 ألفاً لكن وحسب بعض التقديرات الإسرائيلية، فإن هذا الرقم لا يعطي صورة البطالة بشكل كامل، فبالإضافة إلى العاطلين عن العمل هناك الكثير من الإسرائيليين لا يعملون. ونسبة المشاركة في قوة العمل هي فقط 54% من المواطنين في سن العمل، أي تقريباً حوالي نصف قوة العمل ـ 8،4 مليون إسرائيلي ـ لا يشاركون في قوة العمل وهذه المجموعة تتضمن سيدات البيوت اللواتي لا يحسب عملهن في قوة العمل وأيضاً الحريديين ـ الدينيين ـ وآخرين وكل هؤلاء كما تقول جريدة هآرتس الإسرائيلية الصادرة في23/11/2001 بخلاف العاطلين عن العمل محسوبين بأنهم لا يعملون طواعية ولو انضموا إلى دائرة الباحثين عن العمل فإن الحقل الاقتصادي لن يكون قادراً على توفير أماكن عمل لمعظمهم. وبالعودة إلى العام 2001 فقد أظهرت معطيات المكتب الإحصائي المركزي، بأن نسبة العاطلين عن العمل قد ارتفعت من 7،8 % في بداية عام 2001 إلى 4،9% في شهر أكتوبر ، أي ما يعادل 238 ألف شخص ، وهو رقم قياسي، ويعني إضافة نحو 20 ألف شخص إلى دائرة البطالة. وبلغ عدد المطالبين بالعمل في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام نحو 7،202 ألف شخص، كما ارتفع عدد المطالبين بالعمل في الشهر نفسه . وقد توقعت بعض المصادر الإسرائيلية بأن العدد قد يصل في العام 2002 إلى 240 ـ 250 ألف شخص. وقد أدى هذا الانهيار الاقتصادي إلى ازدياد عدد الفقراء، من 059،1مليون في عام 1999، إلى 088،1مليون في عام 2000، أي ما يعدل 30 ألف شخص .وازداد عدد الأطفال الفقراء خلال هذه الفترة بحوالي 15ألف طفل، وبلغ عددهم نحو 1،481 ألف طفل . وازداد عدد الأسر الفقيرة من 284ألف أسرة في عام 1998، إلى 7،299ألف أسرة في عام 1999، وعلى 4،305 آلاف أسرة في عام 2000 . وازدادت نسبة الأسر الفقيرة من 2،44% من مجموع الأسر في عام 1999، إلى 3،45% في عام 2000 . نصف الأطفال الفقراء من اليهود هم من أبناء الأسر الدينية المتزمتة . كل واحد من خمسة أشخاص يعاني من مشكلة الفقر؛ ومن الملاحظ أنه لا يعمل سوى 52% من المجموع العام لأرباب الأسر الفقيرة فقط. بالمقابل هناك تمييز عنصري حتى في توزيع الثروة داخل اسرائيل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أفادت نتائج استطلاع للرأي حول الدخل في عام ألفين، أجري لصالح المكتب المركزي للإحصاء بما يلي: ـ يحصل المواليد المحليون من أصل اشكينازي ،غربي، على متوسط أجر تصل قيمته إلى 9290شيكلاً، ويعتبر هذا أكبر متوسط أجر في اسرائيل، إذ يزيد بنسبة 50 %عن متوسط الأجر لدى الشرقيين، وبنسبة 40% عن متوسط الأجر لدى مجموع العاملين في الاقتصاد. ـ يبلغ دخل الرجال من الاشكنازيين المحليين نحو 11840شيكلاً، مقابل متوسط أجر الرجال بشكل عام 8150 شيكلاً، وهذا يعني زيادة بنسبة 45%. ـ المهاجرون الجدد هم أصحاب الدخل المتدني بين اليهود، إذ يبلغ متوسط الدخل لدى هؤلاء نحو 4610شيكلاً. ـ يحصل العمال غير اليهود على أقل متوسط دخل أجر، إذ يبلغ متوسط أجر هؤلاء نحو 4470شيكلاً. هذا الأمر دفع رئيس المعارضة يوسي ساريد من ميرتس بالقول: أن الفجوة الاجتماعية أخطر من منظمات حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، وأشار إلى أن اسرائيل هي الدولة «الديمقراطية» الوحيدة في العالم، التي لا يوجد فيها يسار ويمين اجتماعي ـ اقتصادي، واتهم جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بخلق الفجوة الاجتماعية في اسرائيل، والتي تعتبر الأكبر في العالم. في منحى آخر ، تراجعت مخصصات التلميذ الواحد من 4680 شيكلاً في عام 1996، إلى 4250شيكلاً في عام ألفين، أي بما يعادل 10%، علماً بأن ميزانية وزارة التعليم ازدادت بنسبة 3%، ويذكر أن وزارة المالية تطالب بتقليص ميزانية التعليم في عام 2002، إلى درجة ستؤدي إلى إقالة ثلاثة آلاف معلم، وتقليص نحو 80 ألف ساعة تعليم، وتقليص المنح والمكافآت للتلاميذ الفقراء، وفق تقديرات السلطة المحلية .كما تطالب وزارة المالية بتقليص التعويض العائلي، وقد قدرت مصادر اسرائيلية أن يلحق هذا التقليص خسائر كبيرة بالعائلات كثيرة الأولاد، ويذكر أنه تبلغ قيمة التعويض عن الولد الأول والثاني 171شيكلاً لكل واحد منهما، في حين تبلغ قيمة التعويض العائلي عن الولد الثالث نحو 342شيكلاً، وعن الولد الرابع نحو 694شيكلاً، وعن الولد الخامس وما فوق نحو 856شيكلاً. وفي أرقام حديثة فقد بلغت حجم الاستثمارات الأجنبية في الحقل الاقتصادي خلال الفترة يناير / نوفمبر من عام 2001 نحو 7،3مليارات دولار، مقابل 2،11مليار دولار في الفترة الموازية من عام 2000، وهذا يمثل تراجعاً بنسبة 70% فيما ارتفع العجز في الحساب الجاري خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر من عام 2001 على خلفية التراجع في الصادرات، وفي الاستثمارات الأجنبية، وفي الدخل من السياحة، وبلغ نحو 3،3 مليارات دولار، مقابل 1.3 مليار دولار في الفترة الموازية من عام 2000. ختاماً يمكننا القول أن الاقتصاد الإسرائيلي، يعيش أزمات مركبة، لا يمكن أن تحل بالأمر السهل، على الرغم من اعتماده على الهبات والمعونات الأمريكية وغير الأمريكية، وأن عامل عد الاستقرار سيبقي على استنزاف الحقول الاقتصادية على اختلافها وتنوعها، وأن مشكلات كبيرة كانت تدار وترحل، أصبحت هذه الأيام هاجساً كبيراً في حياة المستوطنين ولا غرابة إذا ما قلنا أن ثمة تغيرات داخلية سياسية وحزبية قادمة، بسبب جملة المصاعب والأزمات الاقتصادية المستشرية، وأن هذه الأزمات التي كانت الانتفاضة السبب الأكبر في تشكلها، لتصبح فيما بعد سمة عامة للاقتصاد الإسرائيلي، ستدفع الجمهور الإسرائيلي رغم انحيازه للتطرف، إلى الاصطفاف جانب حكومة قادمة تقلل من سوية الصدام الجاري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ـ كاتب فلسطيني