زمان، كان الناس يأخذون السياحة على محمل الخفة التي قد تتراوح بين التهوين الى الاستهانة. الكثيرون كانت السياحة مرادفة في تصوراتهم للفرحة والنزهة والأكل في المطاعم والترفيه والاستمتاع بالمصايف، التي تنعم بالنسيم العليل أو المشاتي التي تهيئ الدفء وتبعث ومضاته الى الأبدان والوجدان على السواء. واليوم قد تكون السياحة على هذا النحو وربما أكثر.. ولكنها تتجاوز هذا كله لكي تشكل مصدرا لم يعد يستهان به للدخل القومي.. بل إن هناك أقطارا في العالم تعد السياحة مصدرها الوحيد أو الذي يكاد يكون وحيدا للايرادات التي تعيش عليها شعوبها.. وبغيرها يكون البديل هو الاملاق والضياع. تعود أحدث بيانات البنك الدولي ومعلومات منظمة التجارة العالمية الى عام 1999 وهي ترسم أمامنا صورة مهمة الأبعاد لمصادر الايرادات السياحية في عالم اليوم محسوبة على أساس نسبتها المئوية الى الناتج المحلي الاجمالي فضلا عن حساب حجمها بمليارات الدولارات. السياحة والناتج القومي الجدول الذي بين أيدينا، وهو الأحدث من نوعه تتصدره دولة جزر الملديف التي وصلت ايراداتها السياحية في عام 99 الى 325 مليون دولار ولا تحسبن أن هذا رقم متواضع فالمسألة نسبية وميزانية هذه الدولة المحيطية متواضعة بدورها.. والمهم أن هذا المبلغ العائد من السياحة يشكل ببساطة نسبة 88 في المائة «!» من الناتج المحلي الاجمالي في دولة الملديف بقدر ما تشكل السياحة نسبة 27 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي في دولة جزرية أخرى واقعة في المحيط الأطلسي وتنتمي الى مجموعة الدول - الجزر في نصف الكرة الغربي وتدخل في عضوية منظمة الدول الأمريكية التي تضم الأمريكتين الشمالية والجنوبية. يفيدنا هذا الجدول الدولي أيضا بأن جمهورية مصر العربية تلقت نسبة 4 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي عام 1999 وكان حجم الايرادات المتأتية من السياحة هو 3903 ملايين دولار.. وهو يقارب كما يمكن أن نقول ضعف المعونات التي تتلقاها مصر من أمريكا بكل ما يمكن أن يكتنف المعونات، وأي معونات خارجية من صنوف المشروطية على شكل ضغوط وتوترات ودعايات وما الى ذلك. العائد بالمليارات ولا تستهين أيضا بنسبة تبدو قليلة الى حد الضآلة من الدخل السياحي في دولة مثل ايطاليا فالنسبة هي اثنان، مجرد اثنين في المائة من الناتج المحلي الاجمالي ولكن حجم الأموال ضخم حيث بلغت ايرادات السياحة الايطالية 28 مليارا وثلث المليار فيما بلغت في فرنسا 31 مليارا ونصف المليار «بنسبة 2 في المائة أيضا من الناتج المحلي» ولعل السبب في ضآلة النسبة رغم ارتفاع رقم المكاسب وحجم الايرادات الملياري يرجع الى أننا نتكلم عن دول بلغت شأوا عاليا في مضمار التصنيع حيث القيمة المضافة من الصناعات التحويلية ومن الزراعات الحديثة من سائر الأنشطة التي تستخدم الميكنة وأحدث أساليب التكنولوجيا في الانتاج والخدمات قيمة عالية تهون أمامها نسبة ما يضيفه قطاع السياحة حتى ولو كانت الاضافة على شكل عشرات المليارات «يجدر في هذا السياق القول بأن أمريكا كسبت - اللهم لا حسد - من قطاع السياحة مبلغا محترما يقارب 75 مليار دولار في عام 1999 وجاء المبلغ الطائل ليشكل نسبة واحد في المائة فقط لا غير من الناتج المحلي الاجمالي في الولايات المتحدة».. ونكرر ما ذهبنا اليه في أحاديث سبقت من أن هذه المليارات تشهد لأمريكا بالتقدم المرموق الذي أحرزه القطاع الثالثي في نشاطها الاقتصادي - قطاع الخدمات الذي يلبي مطالب السائحين والزائرين في بلد لا يملك تاريخا يعتد به ولا يحوي آثارا تجذب اهتمامات الوافدين. مفاهيم جديدة هكذا أصبح من حق الاقتصاديين وواضعي خطط التنمية - وخاصة في أقطار العالم الثالث، الفقيرة منها بالذات - أن يسيل لعابهم - المهني على الأقل ـ حين يتسامعون بهذه المبالغ الطائلة والعائدة من قطاع السياحة، لاسيما وأن كثرة من بلدان العالم الثالث ما زالت أراضي بكرا من حيث مجالي الطبيعة ومقاصد الزيارة ومواقع الآثار وتذكارات التاريخ.. فضلا عن اتاحة متعة استكشاف المجهول - ما لم يكن معروفا من قبل ولا كان مدرجا على خرائط السياحات التقليدية التي تعارف عليها الناس من شركات ووكالات للسفر والفرجة والزيارة على امتداد سنوات القرن العشرين. في ظل هذه المفاهيم استجد على الساحة مصطلحات باتت متداولة في زماننا: - ما بين السياحة العلاجية التي تستدعي الى الذهن على الفور منتجعات الاستشفاء بالمياه المعدنية أو المواقع الطينية أو الجبلية حيث ارتقاء نوعية الهواء، وما بين السياحة الدينية التي تقصد الى المزارات والمواقع والأماكن المقدسة.. وحيث السياحة أحرى بأن توصف بأنها رحلة الحجيج يحفها الورع والتبتل والخشوع ولا بأس من أن تجمع بين هذا كله وبين امتاع النفس واسعاد الروح وابتغاء منافع التجارة والتسوق والتعارف بين خلق الله على اختلاف العقائد وتباين الأديان. - هناك أيضا سياحة الترفيه للمتعة البحتة والنزهة الخالصة وقوامها رحلة قنص استوائية في سفاري افريقيا أو مدارية في أحراش الجنوب من آسيا أو تزلج على جليد الألب أو سفوح الهملايا، دع عنك الاستسلام الى الدعة والترويح في جندول فينيسيا أو قرى الصيد بالبرتغال أو شموخ النيل قرب الكرنك في مصر أو رياضات الماء في دبي أو معايشة مآثر الانسان في دفتر التاريخ في تاج محل وقصور غرناطة وسور الصين وبوابات فاس القديمة ومعابد بعلبك ومسقط رأس شكسبير على ضفة الآفون. الايكوتورزم لكن المصطلح المستجد على الساحة يأتي ليحمل الينا مفهوما جديدا بدورها.. ويجمع بين الاضافة الى ما نعرف وما نعايش وبين التحذير من مغبة السلوكيات التي ما زال البشر سادرين في اتباعها وخاصة من حيث موقفهم من الطبيعة ومواردها والتوازن المرهف الذي أبدعه خالقها عز وجل عندما فطرها وطرحها كي يسخرها لمصلحة الانسان بهدف العمران. هو مفهوم السياحة البيئية - ايكوتورزم - كما يقول التعبير الانجليزي المتداول. إن تزايد استخدام الطائرات النفاثة العملاقة كوسيلة للسفر والسياحة يشكل في حد ذاته عاملا من عوامل الاساءة الى بيئة كوكب الأرض - وبالتحديد الى نقاء الغلاف الجوي «الاتموسفير» المحيط بالكرة الأرضية. الطائرة النفاثة أصبحت متفوقه الآن على السيارة كوسيلة للنقل السياحي وفي هذا الصدد تقول أحدث الاحصاءات: - إن نحو 43 في المائة من السائحين الدوليين أصبحوا يستخدمون الطائرة للوصول الى مقاصدهم بينما يستخدم 42 في المائة من السائحين السيارة على الطرق البرية ويتركون نسبة 15 في المائة المتبقية لسائحي السكة الحديد والسفن. ومن عجب أن تزداد المسألة تفاقما على صعيد الدول النامية بالذات حيث يستخدم الطائرة 90 في المائة على الأقل من السائحين في الزيارات التي يقومون بها الى تلك الأقطار النامية من العالم. وبديهي أن هذا الارتفاع في استخدام الطائرات معناه زيادة معدلات العوادم الناجمة عن بنزين تلك الطائرات.. وهو ما يؤدي الى زيادة نسبة الأكاسيد الكربونية - بمحتوياتها السمية «بضم السين» في الغلاف الجوي بكل ما ينجم عن ذلك من أضرار تصيب صحة النبات والحيوان والانسان من ناحية وبالتالي تؤدي الى اتلاف - الى حد تدمير - المواقع السياحية - الطبيعية، بالذات - من ناحية أخرى. تقرير انجليزي هام في عام 1999 صدر تقرير في انجلترا عن صندوق حماية الطبيعة البرية وسرعان ما أصبح محور اهتمام العلماء والمفكرين وسائر الحادبين على صحة البيئة وسلامة الطبيعة حمل التقرير العنوان التالي: تغير المناخ وآثاره على السياحة. وفي سطور التقرير يبعث الكاتبان ديفيد فينر ومورين أجنيو برسالة تحذير من الأخطار التي باتت تهدد بيئة كوكبنا وامكاناته وموارده من جراء التغيرات المناخية الناجمة - كما تعلم - عن ارتفاع درجة الحرارة الكوكبية وهو الناتج بدوره عن زيادة معدلات الانبعاثات الكربونية من عمليات الاحتراق الداخلي في موتورات ومحركات السيارات والماكينات والطائرات. تقول السطور: - إن حالات الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وما يرتبط بها من حرائق الغابات وسائر الظواهر الناجمة عن ظاهرة التساخن الكوكبي أو الاحتباس الحراري «ظاهرة الدفيئة - غرين هاوس كما تسمى أحيانا» يمكن أن تدمر مظاهر الحياة البرية في غابات السفاري بجنوبي وشرقي أفريقيا والنظم الايكولوجية «المرهفة التوازن» في غابات الأمزون المطيرة بالبرازيل ويمكن أن تشكل الأوساط الحاضنة لظهور «بالأدق عودة» حمى الملاريا الى منطقة البحر الأبيض المتوسط بل يمكن أن تفضي الى حالات الفيضان التي قد تجتاح الشواطئ والمناطق الساحلية «التي يشغف بها السائحون» في مواقع شتى من العالم. في هذا الصدد أيضا يقول المرجع الذي أحلنا اليه كثيرا من هذه الأحاديث وهو كتاب الأستاذة «ليزا ماستني بعنوان الضوء المسافر: مسارات جديدة للسياحة الدولية»: - .. ما أن يصل السائحون الى الأماكن التي يقصدونها فإن اختياراتهم من حيث النوم والأكل والتسوق والترفيه - كل ذلك يأتي باستمرار على حساب بيئة تلك الأماكن - والحاصل أن الساحات البرية والآماد الضيعية - اللاندسكيب كما يسمونها - لا تلبث أن تتحول بسرعة الى حيث تعج طرقا ومطارات وفنادق ومحال لتسوق الهدايا وابتياع التذكارات وساحات لصف السيارات وغير ذلك من المرافق التي تؤدي الى تدهور البيئة في تلك المواقع حيث القصد هو جذب السائحين بالدرجة الأولى. فندق عند منابع النيل هنالك يضرب الباحثون مثلا من دفتر أحوال القارة الافريقية.. ومن إحدى مناطق الجذب السياحي فيها.. منطقة شلالات فكتوريا على وجه التحديد وهي منطقة بالغة الاثارة حقا إذ يكفي أنها تشكل أحد المنابع الأساسية لنهر النيل العظيم وأنها تقع عند خط الاستواء «يحرص السائحون على التقاط صورهم التذكارية وهم يقفون فوق المعالم البارزة لهذا الخط الوهمي الشهير» الاكواتور «الذي يقسم كرة الأرض الى نصفيها الى الشمال والى الجنوب.. ناهيك عما تثيره منطقة منابع النيل من ذكريات رحلات الارتياد والاستكشاف حيث سجل الذكريات مفعم بأسماء رواد ومستكشفين كبار مثل ستانلي ولفنغستون والسير صمويل بيكر ناهيك عن اسم فكتوريا ذاته الذي يعود الى عاهلة انجلترا التي حكمت الامبراطورية في أمجد فترات سطوتها العالمية منذ عام 1837 وظلت متربعة على العرش طيلة العصر الفيكتوري الذي يحمل اسمها من حيث المجد والثقافة والتقاليد وابداع الفن والفكر الى أن أسلمت الامبراطورية الى أولى سنوات القرن العشرين». تلك إذن منطقة يغشاها السائحون من كل أنحاء العالم حيث القيمة السياحية المضافة الى ما ذكرناه تتمثل أيضا في الغابات والأدغال وبكارة الحياة البرية - النباتية والحيوانية السائدة في تلك الأصقاع. ولقد كان السائحون والزائرون قد تعودوا على مدار عقود مضت من الزمن على ارتياد منطقة شلالات فكتوريا التي تقتسم السيطرة عليها دولتان هما زامبيا وزيمبابوي. يلبث السائحون ساعة أو بضع ساعات من الفرجة والتأمل وطبعا التصوير. وبعدها يفارقون. لكن تفتقت شهية الاستثمار السياحي في الآونة الأخيرة عن مشروع ببناء فندق عالمي ضخم فخم بتكلفة عشرات وربما مئات الملايين من الدولارات.. وأقيم صرح الفندق على مسافة، بل على مقربة بضعة أمتار«!» من مياه البحيرة الاستوائية.. وأيضا على مقربة من نهر الزمبيزي. وهنا ارتفعت صيحات تحذير مجددا أعادت الى بؤرة الاهتمام خطر تلك المشاريع السياحية على البيئة وأحوالها ومواردها وتوازنها وجاءت الصيحة هذه المرة من جانب مركز الوثائق والبحوث في منطقة الجنوب الافريقي.. تقول: - انظروا الى ما آل اليه حال نهر الزمبيزي المهيض المسكين بعد إنشاء الفندق العالمي، لقد أضحت مياه النهر ملوثة «وربما الى حد التسمم» بفعل ما انصرف الى مجراه من فضلات المنظفات الصناعية - الكيماوية ومن نفايات القمامة بالأكوام نتيجة النشاط السياحي - الفندقي ومن فضلات الصرف الصحي الناجمة عن الأنشطة الانسانية وغيرها. ونموذج من الكاريبي وفيما جاءت مثل هذه الصيحة من وسط افريقيا فثمة نذير آخر مكافئ لها ارتفع هذه المرة من أمريكا الوسطى - منطقة الكاريبي على وجه الخصوص.. ففي أغسطس 1999 أصدرت الباحثة بوللي باتويو كتابها في المكسيك بعنوان: تكلفة السياحة في منطقة البحر الكاريبي. وفي الكتاب تصف الباحثة كيف أدت عوامل الافراط وسوء الاستغلال في الأنشطة السياحية الى تدمير كثبان الرمال على شواطئ الكاريبي والى افساد مناطق الأراضي الرطبة التي تحفظ توازن البيئة ومن ثم كانت النتيجة هي افساد نوعية المياه الجوفية واكسابها طعم الماء العَسِر المسوس غير الصالح للاستخدام البشري اضافة الى خنق الشعاب المرجانية وخفض أنواع الأسماك والأحياء البحرية التي كانت تتخذ تلك المناطق سكنا لها وموئلا. وزدا من وطأة الخطر ما تم في منبع كانكون الشهير في المكسيك «وهو مقصد أصحاب الملايين من الولايات المتحدة» من تدمير البيئة في مناطق شاسعة حيث تم تجفيف أهوار وتجريف طبقة التربة من أراضي السافانا الرطبة لصالح بناء مجمعات المنتجعات السياحية، ومن أجل تعظيم طاقة الاستيعاب هناك لتبلغ 24 ألف غرفة بالفنادق.. وكل ذلك يمكن أن يتم على حساب تدمير البيئة وتغيير الطقس والاخلال بتوازن الدورة المائية وكله يمكن أن ينال من صحة البشر وما حولهم من أنواع النبات والحيوان. لا عجب أن يطالب الخبراء الحادبون على البيئة وسلامتها، ونطالب نحن من جانبا بأن يكون البعد البيئي والشأن الايكولوجي أحد المحاور الأساسية وأحد الشواغل التي ينبغي أن تظل في وعي مخططي السياحة في بلادنا.. فالمسألة ليست مجرد ايرادات مالية تتحقق من فنادق الساحل أو منتجعات الصحراء أو سواحل البحر.. بقدر ما أنها تتمثل في الموازنة الواعية والتوازن الفائق الحساسية بين عنصر السياحة بوصفها قيمة مضافة وملموسة ومفيدة الى الدخل القومي، وبين مقتضيات الحفاظ على البيئة في هذا الساحل أو في تلك المنتجعات في هذا البحر أو في تلك الصحراء. مواردنا السياحية مفيدة نعم ولكن بشرط أن نستثمرها بحساب وعن وعي وادراك لعواقب هذا الاستثمار.. نفيد منها دون أن نستنفدها ناهيك أن ندمرها.. وإلا تعين على أجيال المستقبل أن تسدد فواتير الحاضر دون أن يكون لها ذنب فيما فرطنا فيه. ـ كاتب سياسي مصري