جاء في كتاب الأغاني لصاحبنا غير الأصفهاني، «المغنون في هذا الزمان فنون، بعضهم تسمعه بمئة ألف وخمسمئة من غير عشاء وآخر بألف درهم مع العشاء، وآخر بخمسمئة وآخر بخمسمئة في الصف الأول وثلاثمئة في الصف الأخير وآخر بخمسين درهماً في الصف الأول مع «المَزّة» وآخر بخمسمئة في الصف الأول من غير «مَزّة» وآخر بمئة وخمسين في الصف الأول وآخر بخمسين مع عشاء وكوبون للمسابقة وهو ممنون. وواحد بكوبون وعشاء وبعضهم مهما فعل وبذل لا يحضر له أحد. فقال صاحب صاحبنا غير الأصفهاني.. ولماذا هم كذلك؟ قال غير الأصفهاني.. الناس مقامات والمغنّون أصوات وأصوات بعضهم كأصوات العصافير وبعضهم كأصوات النوافير وبعضهم كأصوات النواعير وبعضهم كأصوات النواطير وبعضهم كأصوات المناشير وبعضهم كأصوات الألواح والطباشير وبعضهم كأصوات الزنابير، أما بعضهم فكأصوات الحمير وذلك أدناهم وأرداهم في أولاهم وأخراهم. قال صاحب صاحبنا غير الأصفهاني، وماذا عن مستمعيهم وجمهرة الناس من تابعيهم؟ قال غير الأصفهاني.. إن مستمعيهم من الناس أجناس، منهم من أصحاب الماس من «الهاي كلاس» من الذين يدفعون الريالات والدنانير ولا يبالون بها كيف تطير ولو أكلتها بين أيديهم الحمير يلقونها كيفما اتفق، وينثرونها في طيش ونزق، لأنهم لم يبذلوا فيها جهدا ولا عرق. ومنهم أناس من أهل الحرف والمهن ممن أُتخِمَت جيوبهم من أعمال «السباكة» ومن طَرْقِ الحديد وبيع الخردة، فصاروا في غاية الأناقة والشياكة. ومنهم المراهقون الهائمون المفتونون بصيحات الجنون الذاهبون وراء كل مطرب ومطربة، المفتونون بكل صراخ وزعيق كزعيق الدببة ومنهم الموهوم ان المطرب الموهوب هذا كتلة من الشعور وكتلة من الأحاسيس الرقيقة التي في كل لحظة تثور. قال صاحب صاحبنا غير الأصفهاني.. ماذا تقول سيدي في جمال كل مطربة قال غير الأصفهاني.. جميع ما تراه يا صويحبي الأصباغ والألوان وكل هذه العيون والألحاظ والأجفان جميعها معارة من ذلك الدكان «بيير أبو كاردان». قال صاحب صاحبنا غير الأصفهاني.. ما رأيك يا سيدي في الكلام ذلك المصفوف والمغنى ألا ترى مثلي بأن بعضه سخف بغير مَعْنى؟ قال غير الأصفهاني.. كثيره من الكلام فاقد الاحساسْ، كثيره كالضحك على ذقون الناس وبعضه البذاءة الغثاثة. فإن أردت ان تكون فاقد الشهية فاسمع رعاك الرب هذه الوصية اسمع رعاك الرب في المساء أغنية وفي الصباح والضحى أغنية.