يجمع المراقبون على أن قرارا أمريكيا بضرب العراق قد اتخذه بوش، وأن التنفيذ مرجأ حتى تنضج (الطبخة)، والأمر أصبح يتعلق - فقط- بالتوقيت المناسب لبدء الهجوم ليس إلا، غير أن مفردات الواقع، تؤكد أن الحال ليس بهذا القدر من البساطة - أو السذاجة كما وصفتها بعض الأصوات الأوروبية - كما يتصور بوش المسألة. قراءة سريعة للواقع تؤكد أن واشنطن تواجه موقفا غير مسبوق، يتراوح بين المعارضة والتحفظ والموافقة المشروطة، سواء من جانب الدول العربية والقوى الإقليمية، وحتى روسيا والصين وكندا والاتحاد الأوروبي، باستثناء بريطانيا التي تعلن تأييدها لسياسة بوش، غير أن نبرة التهديد من جانب بوش وأركان إدارته لم تنخفض، بل على العكس فإن حدتها تزيد، وسط تسريبات متعمدة حول خطط وسيناريوهات يتم الاختيار بين الأنسب منها لغزو العراق، وإسقاط النظام الحاكم. المشهد العام يمكن تلخيصه في كلمتين بأنه ممارسة نموذجية لغرور القوة، فالإدارة الأمريكية لم يعد يعنيها تباين الآراء حول المسألة العراقية حتى فيما يتعلق بملاحظات الحلفاء الأقربين وتعطي لنفسها الحق في التحرك المنفرد، ودون أن تجهد بعناء البحث عن غطاء من الشرعية الدولية لخطواتها القادمة بعدما (جربت) أحدث ما تضمه ترسانتها في أفغانستان، مع أن ثمة تحذيرات عديدة تؤكد أن العراق ليس أفغانستان، وأن الجيش العراقي - أفرادا وتسليحا وخبرات - يختلف كثيرا عن ميليشيات طالبان وتنظيم القاعدة لصالح الجيش العراقي بالطبع، باعتباره اخطر وأضخم، لاسيما في غياب قوات معارضة تقوم بأي دور حقيقي في عمليات الاسناد، كما كان الحال مع وجود التحالف الشمالي في النموذج الافغاني. فرط العقد! ثم أن الظرف الإقليمي مختلف إلى حد بعيد، في ظل رأي عام عربي يعارض أي حملة جديدة ضد العراق، وفي ظل استعداء أمريكي لايران، ومخاوف تركية، بالاضافة الى أن التحرك الأمريكي المنفرد سوف يؤدي الى فرط عقد التحالف الدولي القائم - مع ملاحظة تعرضه لشروخ بالفعل - في ظل الاحساس العام بأن واشنطن تستثمر التحالف - بفجاجة شديدة - لتصفية حساباتها الخاصة من منظور ذاتي ضيق! لا شك أن كثيرا من تلك التفاصيل لم تغب عن بصر الادارة الامريكية، من ثم فإن محاولة بوش الايحاء بأن الهجوم على العراق أصبح وشيكا يحمل قدرا من المبالغة، ليس فقط لأن المناخ الدولي والاقليمي غير مهيأ للخطوة الأمريكية المزمعة، ولكن لأن لغرور القوة - مهما بلغت من أوج - حدودا حين تدق ساعة الفعل، ويكفي في هذا السياق الاشارة الى أن استهداف قلب النظام العراقي - وفقا للاستراتيجية الأمريكية يعني أنه لا بديل عن دور القوات البرية في العمليات، وان القصف الجوي والصاروخي غير كاف لانجاز مثل هذا الهدف، من ثم فإن الحشد البري الكبير يحتاج ليس فقط الى وقت مناسب لعمليات النقل والاحاطة بالهدف، ولكن الأخطر من ذلك حاجة الحشد الى موافقة الدول المحيطة بالعراق للسماح بإقامة قواعد للقوات البرية الأمريكية تمكنها من الانطلاق نحو الهدف، وتأمين كامل للخدمات اللوجستية، وحماية مؤخرة القوات، الأمر الذي يحتم على الادارة الأمريكية التنازل عن كثير من (عنجهيتها) والدخول في مفاوضات مع الأطراف الاقليمية التي يمكن أن تسمح باستخدام اراضيها كنقاط تجمع وحشد وانطلاق للقوات البرية، لأن مدى نجاح أو فشل أي عمل عسكري أمريكي ضد العراق يتوقف بالأساس على حسم تلك المسألة الحيوية. مخاوف تركية اذا كان العديد من التقارير تؤكد أن الاراضي التركية يمكن أن تمثل - في ظل الظروف الراهنة وفي المستقبل القريب - قاعدة نموذجية للهجوم البري الرئيسي على العراق، فإن الامر ليس بتلك البساطة التي تصورها التقارير الغربية عموما، والأمريكية بشكل خاص، ففضلا عن وجود معارضة على أكثر من مستوى سواء في الشارع التركي، أو من جانب بعض الاحزاب والتيارات، فإن ثمة قلقاً لدى الحكومة من الاثار الاقتصادية السلبية الناجمة عن مثل هذا التورط، والاخطر من ذلك (العامل الكردي) الذي يمثل - في كثير من الاحوال نوعا من الفوبيا للاتراك عموما (شعبا وحكومة وجيشا) اذ أن خطر تقسيم العراق وقيام كيان كردي في شماله يعني تهديدا مباشرا لوحدة الاراضي التركية، اذ انه يفتح الباب امام تحرك اكراد تركيا باتجاه تجربة أكراد العراق واعادة الروح لفكرة قيام دولة كردية كبرى مستقلة في المنطقة، الامر الذي يعني في المحصلة الاخيرة. اعادة رسم الخريطة السياسية في كل الدول التي تضم اقليات كردية في المنطقة. من ثم فإنه لا مجال للدهشة ازاء تبني بولنت اجاويد رئيس الوزراء التركي - في لحظة من لحظات الأزمة - لرغبة العراق في اقرار تسوية، والتوصل الى حل وسط بشان عودة مفتشي الأمم المتحدة، فحساب المخاطر يدفع انقرة باتجاه التهدئة، خاصة وان المكاسب التي يمكن ان يجنيها الاتراك من الاشتراك في العملية الأمريكية قد تقل عما يمكن تسجيله في خانة الخسائر، وان الاغراءات الاقتصادية التي تقدمها واشنطن لانقرة قد تفيد في المدى القريب ولكن في المدى المتوسط والبعيد فإن الخسائر يمكن ان تكون على درجة من الفداحة التي تشكل - بحد ذاتها - رادعا للاتراك عن التورط التام في المخطط الأمريكي، مما دعا وزير الخارجية التركي الى الاعلان عن أن الهجوم على العراق لن يكون في مصلحة بلاده أو أي دولة اخرى! وماذا عن العرب؟ أما بالنسبة لمواقف الدول العربية، فإن الموقف اجمالا كما لخصه عمرو موسى يتمثل في أن كل العرب يرفضون ضرب العراق بشكل ثابت وجماعي.. وان ثمة جهوداً لمنع تلك الضربة.. لأنها سوف تؤثر على المنطقة كلها وتخلق وضعا جديدا، كما ان العديد من المحللين الغربيين يؤكدون ان أي عمل عسكري أمريكي ضد العراق سوف يثير فوضى خطيرة في العالم العربي. فإذا اقتربنا أكثر من الدول العربية المحيطة بالعراق، والتي ترشحها العوامل الجيواستراتيجية لأن تكون بمثابة قواعد للقوات البرية الأمريكية صوب العراق، فإن ثمة مرجعية خليجية حددتها مقررات قمم مجلس التعاون، وتتمثل في ضرورة امتثال بغداد لقرارات الأمم المتحدة، وعدم رغبتها في توجيه ضربة عسكرية جديدة للعراق، ورفض اسقاط النظام، أو محاولات تغييره بالقوة. وعلى الصعيد العملي فإن ثمة فوارق في المواقف الخليجية، فإذا كان القاسم المشترك بين دولها الالتزام بقواعد الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، فإن الكويت أعلنت على لسان أكثر من مسئول رفيع المستوى ان اراضيها لن تكون نقطة انطلاق لأي عمل عسكري ضد أي دولة الا اذا كان ذلك في اطار غطاء دولي، وبطبيعة الحال فإن الولايات المتحدة لم تحصل على هذا الغطاء. من جانبها، اعلنت السعودية - مرارا - انها لن تسمح باستخدام قواعدها للقيام بهجوم أو عدوان على العراق، انطلاقا من التزاماتها الاسلامية والعربية، فضلا عن التزامها بالحفاظ على الوحدة الاقليمية للعراق، ولا شك أن المواجهات السياسية والاعلامية بين كل من الرياض وواشنطن خلال المرحلة الاخيرة ساهمت في ترسيخ الموقف السعودي، خاصة بعد انطلاق بعض الأصوات الأمريكية بالدعوة الى (عسكرة) آبار النفط في الخليج!! بالاضافة الى ان اضعاف القوة العراقية لابد ان يصيب توازن القوى في الخليج بالخلل لحساب ايران. كما ان تهديد وحدة العراق الاقليمية تصب في ذات الخانة من زاوية أن أي درجة من درجات استقلالية شيعة جنوب العراق (في ظل عراق فيدرالي) تعني دعما لقوة ايران، على حساب كل دول المنطقة دون استثناء، ولا يمكن لصانع القرار السعودي أن يشارك في توفير غطاء لعملية أمريكية تتمخض عن مثل هذه النتيجة الخطيرة، واذا كان من الصعب الضغط على واشنطن لاثنائها عن خططها، فإن أضعف الايمان عدم منحها غطاء سياسيا لضربتها العسكرية التي تستهدف غزو العراق واسقاط نظام الحكم. وربما كان موقف الأردن الأكثر صعوبة وحساسية، فرغم أن بعض المحللين ربط بين زيادة حجم المساعدات الاقتصادية الأمريكية للأردن، والموقف المطلوب منه اذا ماقررت واشنطن ان ساعة العمل ضد العراق قد حانت، فإن أوضاع الأردن الجيوسياسية تضع الكثير من الخطوط الحمراء امام صانع القرار بصدد السماح باستخدام الاراضي الأردنية كقاعدة لتحرك القوات البرية الأمريكية، بالاضافة الى ان التركيبة الديموجرافية - ببعدها الفلسطيني - تمثل مأزقا لا يستهان به، اذ كيف يمكن تبرير السماح بعبور قوات برية امريكية لضرب العراق بزعم خروجه عن الشرعية الدولية - وفقا للرؤية الأمريكية - بينما التجاوزات الاسرائيلية في فلسطين المحتلة بدعم واشنطن - وصلت الى حد غير مسبوق من استخدام القوة الغاشمة في مواجهة المدنيين وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، من ثم فإن حجم الاعباء السياسية والاحمال النفسية سوف يمثل ثقلا رهيبا لا يمكن ان تحتمله الأردن. في ظل هذه الأوضاع كيف يمكن للقوات البرية الأمريكية أن تلعب دورها وفق أي سيناريو لغزو العراق بهدف اسقاط نظام الحكم؟ ابلاغ أم تشاور؟! يفترض أن جولة تشيني نائب الرئيس الأمريكي لـ 11 دولة في المنطقة تشمل 9 دول عربية من بينها 4 من دول الجوار للعراق، بالاضافة الى تركيا وإسرائيل تستهدف البحث عن اجابة لهذا السؤال، المعضلة، واذا كان الصلف الأمريكي قد دعا أحد مسئولي ادارة بوش ان يعلن أن تشيني لن يستجدي المساندة، لكنه سوف يبلغ الجميع بقرار واشنطن الذي سينفذ، واذا أرادوا بعض المعلومات عن كيفية تنفيذ الخطة (ضرب العراق) وتوقيتها فإن الوقت قد حان للمطالبة بذلك، أن الزيارة تقتصر على الابلاغ فقط وليس التشاور!! فإن مراقبين من عواصم عربية وغربية - على السواء - يتوقعون أن تشيني سوف يلقى استقبالا فاترا جدا من القادة العرب، إذا استغل جولته في المنطقة لحشد التأييد لشن حرب على العراق، وان الزعماء العرب سوف يبلغون تشيني بوضوح - حسب تلك التوقعات - انه يجب الا تراهن على مساعدتنا ضد العراق، بينما تدعمون قمع اسرائيل للفلسطينيين. واذا كان تشيني يتصور ان التاريخ سوف يكرر المشهد الذي حدث وقت الاعداد لحرب تحرير الكويت عندما قام بجولة مشابهة - وكان وقتها وزير دفاع بوش الاب - لوضع الترتيبات النهائية في اطار التحالف الدولي وقتئذ، فإن مياها كثيرة جرت تحت الجسور، وحسابات عديدة أصبحت جد مختلفة، ومن ثم فإن رهان تشيني والادارة الامريكية في غير محله، والأمر ليس بالسهولة التي يتصورها صقور ادارة بوش. نقطة أخرى لابد أن تضعها الادارة الأمريكية في الاعتبار، تتمثل في أن الحروب التي احرزت فيها الولايات المتحدة نصرا أو حتى نصف نصر، كان الطرف الاخر فيها - غالبا - معزولا دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا، الا انه في الوقت الراهن فإن معظم أصدقاء واشنطن وحلفائها لا يرغبون أن يشاركوا في أي حرب ضد العراق، بينما هذا الاخير يسعى الى مواجهة التهديدات الأمريكية عبر تحركات تستهدف تعزيز علاقاته العربية والدولية لاسيما مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، ممايخرجه من دائرة العزلة التي تسعى واشنطن الى وضعه في شرنقتها. ثم أن جيران العراق الذين يمكن ان تطلب منهم واشنطن استخدام أراضيهم كنقطة تمركز ووثوب لقواتها البرية، لابد أن يضعوا في اعتبارهم ان القبول بالطلب الأمريكي يعني ان احتمال تكرار نفس الأمر مع ذات الدولة التي وافقت على لعب هذا الدور أمر قائم، واحتمال وارد، لأن الحكمة القديمة تقول ان الثور الأبيض أكل يوم أكل الثور الأسود، وقد أكلت ثيران سوداء كثيرة! هكذا، فإن أي سيناريو لغزو العراق، وقلب نظام حكمه، يتعرض واقعيا للعديد من الاشكاليات فيما يتعلق ببناء حشد اقليمي، أو المعوقات الميدانية المترتبة على عدم وجود أراض مستعدة لاستقبال القوات البرية والتصريح لها بالانطلاق جنوب العراق، ان تلك الاشكاليات سوف تدعو بوش - بالضرورة - لاعادة النظر في بعض احلامه، وضد ما كان يتصور صقور ادارته انه من الأمور المحسومة. حقا.. إن لغرور القوة الكثير من مثالب الضعف! ـ كاتب مصري