الأفكار التي عرضها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، بشأن التسوية النهائية للصراع الاسرائيلي العربي، باغتت القوى السياسية في اسرائيل تماما. قبيل هذا العرض، كانت احشاء اسرائيل تعاني حالة من التقلصات والحيرة ازاء جدوى سياسة القبضة الحديدية لحكومة شارون بحق الشعب الفلسطيني. كانت هذه السياسة تفقد صدقيتها بوتيرة سريعة، بفعل استمرارية المقاومة وقدرتها على ايلام الاسرائيليين، لاسيما تلك القوى الأكثر شراسة وعدوانية منهم كقطعان المستوطنين وقوات الجيش والبوليس. وكي تبث حكومة شارون الثقة في تضاعيف كيانها الاستيطاني المتوتر، راحت تتحدث عن المواجهة الجارية بصفتها استئنافا لحرب الاستقلال قبل أكثر من خمسين عاما! وهو توصيف أدى من حيث لم يرد اصحابه الى زيادة عدم الثقة في الذات داخل هذا الكيان. وحين كانت هذه الحكومة تواجه بالتساؤلات عن مغزى هذا الأوضاع المتفجرة ومصيرها، كانت تجيب بأن اسرائيل، الدولة اليهودية، ليس أمامها خيارات اخرى اذ العرب وفي طليعتهم الفلسطينيون مازلوا حريصين على نبذ هذه الدولة وتصفيتها. وما الانتفاضة وعملياتها الاستشهادية بخاصة، الا تطبيق لهذا الهدف. ومع انطواء هذا التكييف على مايمكن ان ندعوه بالكذب الاستراتيجي، لأن اسرائيل دولة تملك أن تتحدى المجموع العربي، معززة بقوة تقليدية وغير تقليدية متفوقة ومدعومة بمساندة غربية أمريكية ترقى الى التحالف العضوي، وهي دولة قائمة باحتلال أرض الغير بالقوة، ومع ذلك كله ونحوه، فقد وجد خطاب حكومة شارون الائتلافية من يصدقه، ليس فقط داخل اسرائيل بل وفي بعض الأوساط الدولية أيضا! في هذه الاجواء، كانت المبادرة السعودية بمثابة رد استراتيجي مضاد على الكذبة الاسرائيلية الكبرى. وبسبب التجاوب العربي شبه العام مع المبادرة، فقد أخذ هذا الرد صفة الشمولية العربية. وهناك وعد بتحويل الأفكار السعودية الى مشروع للنظام العربي بأكمله، إذا ما أنس العرب موافقة اسرائيلية ودولية عليها. مؤدى ذلك، ان المبادرة السعودية - العربية بالتبني - عاكست على طول الخط الطرح الاسرائيلي للتفاعلات الجارية على ضفاف الانتفاضة. اذ لا تستقيم الدعوى الاسرائيلية بأن العرب يخوضون حرب استئصال ضد الدولة اليهودية، فيما هم ينشدون السلام الشامل معها، بل ويعلنون عن قبولهم بالتطبيع، وهو مفهوم يتجاوز حالة السلم الى مناخ العلاقات الدافئة والتعاملات المتبادلة على كل الصعد السياسية منها وغير السياسية. خصائص المبادرة السعودية من حيث التوقيت والمحتوى وجذرية التناول واجتماع العرب على تأييدها، فاقمت وضعية الحيرة والتشوش، التي قادت حكومة شارون التجمع الصهيوني في فلسطين اليها. لقد ظهر للكثيرين داخل التجمع وخارجه، أن العرب ليسوا بصدد التخلص نهائيا من اسرائيل، بل العكس هو الصحيح، وتبين للكافة أن الدولة اليهودية هي التي تخوض حربا استعمارية لاستكمال التخلص من عرب فلسطين، وانها في سبيل هذا الهدف المخزى لا تعبأ بنداء التسوية الشاملة الذي تعنيه المبادرة. نلمس هذه الحيرة وتجلياتها في أنماط ردود أفعال النخبة الحاكمة هناك بصفة خاصة فمن قائل بأنه ينتظر التفصيلات في لقاءات مباشرة مع الأمير عبدالله، في محاولة خبيثة لجرجرة المبادرة الى مسار ثنائي سعودي - اسرائيلي. ومن القائل بأن المبادرة تستهدف اعادة اسرائيل الى حدود 1967 بدون ثمن معقول! وكأن التطبيع العربي الشامل مع اسرائيل بتاريخها الأسود ليس كافيا فعدوانها بحاجة لمكافأة أكبر، إلى قائل بأنه يتعين وقف العنف الفلسطيني أولا قبل التعامل مع المبادرة. بما يجعل من المقترحات السعودية طريقا التفافيا لوأد الانتفاضة والوقيعة بين عرب الانتفاضة وعرب المبادرة! ومن التفسيرات الطريفة اسرائيليا، ذلك الذي ذهب الى أن أفكار الرياض تتعلق بنتائج حرب 1967، وتسلم عربيا بتداعيات حرب 1948 وفي طليعتها مأساة اللاجئين الفلسطينيين، الامر الذي أكدت الدبلوماسية السعودية بطلانه تماما، باعتبار ان صفقتها الشاملة تتصل بكل مفردات الصراع بما فيها قضيتا القدس واللاجئين. معظم إن لم نقل كل الردود الاسرائيلية الرسمية على المبادرة، ما انفكت تحاور في دائرة الاستغباء السياسي ومحاولة استهلاك الزخم الذي نتج عن الطرح السعودي بين يدي شطر واسع من الرأي العام الدولي، لكننا ان تحرينا أصل الموقف الاسرائيلي وجدناه معارضا بقوة لسيرورة هذا الطرح، لأنه يجافي كليا المنهجية الاسرائيلية للتسوية. المبادرة السعودية على بساطتها وصدقيتها في طلب التسوية النهائية للصراع، تطيح بمجموعة اللاءات التي أكدت عليها السياسة الاسرائيلية بالقول والفعل منذ 1948 بعامة وغداة 1967 بخاصة وهي: لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى مساقط رؤوسهم، لا لتقسيم القدس والسيادة الفلسطينية على حرماتها ورحابها الدينية، لا انسحاب الى حدود 1967، لا ازالة للمستوطنات في أراضي الضفة وغزة ومنطقة القدس، وأهم من ذلك كله، لا للتسوية مع العرب كجبهة واحدة وفقا لمفهوم الصفقة المتكاملة.. فهذه التسوية تعيد للعرب مفهوم وحدة الصراع والمصير في مواجهة اسرائيل. وهو ما لا يجوز التساهل معه. المطلوب هو سوق العرب وحدانا الى مسارات ثنائية، تفضي في التحليل النهائي الى فكفكة المضمون العروبي للنظام الاقليمي المحيط بالدولة الصهيونية. بين مايغري النخبة الحاكمة في اسرائيل على الاستعصام بهذه الثوابت، النجاح الذي حققته من قبل في معمعة التسوية حين أبرمت مجموعة تعاقدات سلمية مع بعض الدول العربية، بمعزل عن مفهوم وحدانية العرب في مواجهتها. ومن الثوابت الاسرائيلية الأخرى التي تنفي احتمال الاستجابة الفاعلة للمبادرة السعودية، حتى ان تحولت في قمة بيروت الوشيكة الى مشروع عربي للتسوية الشاملة، ذلك الرفض الاسرائيلي المزمن لجعل القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة الشرعية الدولية مرجعية لاقرار السلام الدائم مع العرب فإسرائيل لا تريد أن تتراجع بالقانون عما استولت عليه واكتسبته بالقوة. ليس في تقاليد التفاوض الاسرائيلي مايبشر بمرور المبادرة السعودية بأمان الى حيز الفعل والنفاذ. ولعلنا لا نبالغ في اعتقادنا بأن التصعيد الدموي الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، بعد اعلان هذه المبادرة يمثل الرد العملي عليها. وخلاصته أن المطلوب هو سلام القوة الاسرائيلية، سلام الاذعان العربي، لا سلام المحاججات القانونية.. إن شارون اليوم هو مثل موشى دايان 1967، ينتظر أن يدق جرس الهاتف حاملا اليه صك الاستسلام الفلسطيني، وليس بعد الفلسطينيين الا بقية العرب. ويقينا سوف يرحل شارون قبل أن يتلقى هذه المكالمة التاريخية. فهو قد يفلح في افساد المبادرة العربية السلمية لكنه لن ينجح في بيع مبادرته الاستسلامية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة