لو كنت فلسطينيا من أهل غزة والضفة لظننت البيان الختامي لوزراء الخارجية العرب المذاع هذا الاسبوع صادرا من ندوة اكاديمية اجنبية لاعن حكومات دول شقيقة، فالانتفاضة الفلسطينية، يكاد يكون ذكرها في ثنايا البيان عرضيا استدراكيا وكأنها ليست الغرض الذي من المفترض ان الاجتماع الوزاري عقد اصلا من اجله. فبينما تتضاعف الحملة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على مرمى حجر من مقر الاجتماع الوزاري في القاهرة الى مستوى حرب نوعية شاملة ذات طبيعة ابادية .. وبينما يتبارى وزراء شارون في التصايح الجنوني مطالبين باعادة احتلال المدن الفلسطينية فان اقصى ما صدر عن الوزراء العرب هو «دعوة الى المجتمع الدولي ليتحمل مسئوليته»! واذا كان هذا هو كل ما في جعبة الحكومات العربية لنصرة المقاومة الفلسطينية فان من حق الشعب الفلسطيني ان يتساءل ما اذا كان من حق الحكومات العربية ان تعالج قضية السلام والحرب نيابة عنه وما اذا كان النظام الرسمي العربي مؤتمنا على المصير الفلسطيني. ان ما يجري على الارض الفلسطينية ليس مباراة لفظية بين طرفين متكافئين وانما هو صراع دم بحسابات الحياة او الموت بين ارادتين، وقد وفر ارييل شارون وأركان حكومته على الحكومات العربية عبء الاجتهاد والاستنتاج باعلانهم يوميا ان اسرائيل تخوض «حرب وجود» لا «حرب حدود». ولذا فان الحكومات العربية عندما تكتفي على لسان وزرائها بدعوة المجتمع الدولي الى «تحمل مسئوليته» فانها تنفض عن نفسها ضمنيا مسئوليتها المفروضة عليها بحكم اعتبارات الانتماء العربي ووشيجة العقيدة الاسلامية. والسؤال الذي يطرح هو: اذا كان هذا هو حال العرب الرسميين على مستوى الوزراء فهل هو تمهيد ومقدمة لما سوف يؤول اليه حال القادة في اجتماع قمة بيروت المرتقب؟ ان اجتماع القمة سوف يقتصر غالبا على بند واحد في جدول اعماله: قضية المصير الفلسطيني، وفي هذا السياق سوف تطرح على الطاولة مبادرة عربية مقترحة غالبا ما سوف ينتهي الاجتماع الى تبنيها رسميا لتطرح على اسرائيل. والقادة العرب يدركون او ينبغي ان يدركوا ان المشروعات الدبلوماسية التي تقدم من طرف ما الى طرف خصم لاتقيم برصانتها البلاغية وحسن سبكها لفظيا او حتى ما اذا كانت منصفة ومتوازنة، وانما تقيّم بمدى قوة الطرف صاحب المشروع ومدى استعداده للتكشير عن انيابه وقدرته على المنازلة اذا دعت الضرورة. تأسيسا على هذا المبدأ فان من حق القادة الاسرائيليين ان يستخفوا بالمبادرة العربية المقترحة حتى قبل ان تتبلور رسميا. سوف يتساءل القادة الاسرائيليون بين بعضهم البعض: ماذا لو رفضنا المبادرة العربية؟ هل بوسع العرب الذهاب الى ابعد من «مناشدة» المجتمع الدولي؟ ان القادة الاسرائيليين كما القادة العرب ـ سواء بسواء ـ يعلمون ان المجتمع الدولي لا يساعد من لا يساعد نفسه، ومما ورد في سياق بيان وزراء الخارجية العرب هذا الاسبوع «مواصلة التحرك السياسي العربي في الامم المتحدة ولدى الاطراف المعنية لوقف العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وقيادته ولتوفير الحماية الدولية له». والكلمة المفتاحية في هذه العبارة الرنانة هي «مواصلة» .. اي استئناف ما سبق من تحرك في الاتجاه ذاته، فماذا حقق القادة العرب من التحركات السابقة في هذا الصدد؟ لقد اصطدم العرب بالفيتو الامريكي في كل مرة تقدموا فيها بمشروع قرار لارسال قوات دولية الى الاراضي الفلسطينية المحتلة بغرض حماية الشعب الفلسطيني من وحشية الآلة الحربية الاسرائيلية ـ فماذا فعل العرب للرد على العدوان الدبلوماسي الامريكي الصريح؟ للسؤال اجابة غير مباشرة فلو كان لدى الولايات المتحدة اي سبب يدعوها للتخوف من رد فعل عربي حاسم يتهدد مصالحها الحيوية لما اقدمت اصلا على مجرد التفكير في استخدام الفيتو. فماذا ينتظر الشعب الفلسطيني من قوم هذا حالهم؟ من حسن الحظ ان الشعب الفلسطيني لم يعد ينتظر شيئا. ذلك ان لجوءه الى خيار المقاومة المسلحة هو في حد ذاته تعبير عن ان ذلك الشعب الباسل الذي يطلب الموت بالحاح قد تحرر نهائيا من وهم الاعتماد على وهم «التضامن العربي».