لانه كان بحاجة شديدة إليها، فقد جرب أن يشرح لها مدى حاجته دون ان يقول لها ذلك صراحة، بعض الناس يريد دون ان يتكلم أو يتطلب، ربما لانه مرهف الحساسية ازاء سلوك التطلب،، ربما يجده سلوكاً صعباً لا يستطيع التعبير عنه ببساطة بكلمات مثل: أريد، أتمنى لو، بودي لو يحدث كذا، ساعديني أو ساعدني في الحصول على... إلخ. ولانه كذلك فهو يلجأ للسير في طرقات أخرى خلفية غالباً ما لا توصله إلى غايته، لكنه يستمر في محاولاته، فهي حيلته الوحيدة ازاء نفسه الرافضة لمبدأ الطلب المباشر. عندما التقاها، نظر في عينيها ملياً، ارادها ان تشعر بما يحس به، أراد أن يوصل إليها قلق روحه، لكنه لم يجد على وجهها سوى ابتسامة هدوء، قال لها: حدثتك عن ابني الوحيد الذي يمضي قدما باتجاه اعوامه الستة، ألاحظ انه شديد الوجوم ويرغب في الوحدة ولا يتحدث أو يصخب أو يشاكس كبقية الأولاد في مثل عمره.. يحدق في الصمت، ويصمت.. انه بحاجة لشيء ما لا أعرفه، ما رأيك؟ ترى ماذا يحتاج طفل في مثل عمره؟ كان يريد أن يقول: كان ابنه قد فقد والدته منذ عام تقريباً في حادث سير وكان هو يحب زوجته، كان هو وولده يحتاجان الشيء ذاته، تعلق بكلمة تخرج من بين شفتيها، أخيراً قالت: احضر له شغالة قد يندمج معها، أو .. أو ماذا؟ سألها، قالت: اشتر له مزيداً من اللعب. صمت، وأخذ يحدق في الصمت كما يفعل ابنه، وفجأة أحس بها تنهض قائلة: يبدو أنك متعب، لنغادر المكان، أنا مدعوة عند بعض الصديقات، نهض وظل سائراً على رصيف الشارع يحدق في الصمت ويفكر: لماذا لم تفهم ما به؟.... وكما يحدث لهذا الإنسان الحائر، فإننا جميعنا نقع في لحظات معينة في حالة من الحيرة والارتباك، حينما يباغتنا ذلك الشعور بأننا لم نعد نفهم دلالات بعض الكلمات والعبارات والايماءات التي يتفوه بها شخص حسبنا لزمن طويل بأننا نشكل معه توزيعاً واحداً للحن حياتي متناغم. ونتحدث أحياناً إلى شخص قريب منا أو نحن نظنه كذلك (قد يكون هذا الشخص هو الأخ أو الأم أو الصديق أو الحبيب أو..) ونذهب مسترسلين في حديثنا مقتنعين بأنه وهو يسمعنا، فإنما يسمع نهر الكلمات الهادر من قلوبنا، لا من فمنا، يسمع دلالات الحديث لا وقع الكلمات، ثم ننتبه أو نكتشف بأن هوة كبيرة تفصلنا لسبب ما، نشعر بأنه لا يسمعنا متشهياً متلهفا، نحن ـ أو من نحب ـ نصغي لبعضنا لان هذا ما يجب أن يكون بين الأحبة والأصدقاء.. فقط لا أكثر! في أجواء الحياة المدينية المكتظة بلا شيء، والهارب منها زمنها ووقتها، أو هو مسروق لمصلحة لا ندري ماذا غير العمل، نشعر بضيق الوقت، واتساع المسافات بين الناس، اقصد بين قلوب الناس التي سكنها الصمت والوحشة، برغم تواجدهم معاً واقترابهم. لكن أين؟ في المطاعم، في دور السينما، في المقاهي، في المراكز التجارية. فهل تقترب الأرواح والقلوب في هذه الاماكن؟ هذه أماكننا المفضلة حالياً ولذلك فقلوبنا مغلقة حتى اشعار آخر. أو لحين العثور على أماكن أكثر رحمة.