يطرح المحللون المزيد من التساؤلات الان حول المدى الذي يمكن ان تذهب اليه الولايات المتحدة في عملية التواطؤ الراهنة التي تتيح للآلة العسكرية الاسرائيلية قتل وجرح الآلاف من المدنيين الفلسطينيين وتدمير المؤسسات الرسمية، والاملاك الخاصة واحلال الخراب في المناطق الفلسطينية الخاضعة للاحتلال، فالادارة الامريكية لا تكتفي بمنع مجلس الامن الدولي من اتخاذ قرار بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، او حتى تأمين اي نوع من الرقابة لرصد حقيقة ما يجري في الاراضي المحتلة، خلافاً لما حدث ويحدث حيال حالات عالمية مماثلة او اقل شأناً وخطورة مما تشهده هذه الايام، بل هي تشجع الحكومة الاسرائيلية على اقتراف المزيد من المجازر والولوغ في الدم الفلسطيني اكثر فأكثر، بذريعة ما تسميه واشنطن «مكافحة الارهاب». لقد كانت الادارة الامريكية ترغب في ان تجعل من الاعمال العسكرية المتعددة الاشكال التي ينفذها شارون ضد الشعب الفلسطيني جزءاً من معركتها المفتوحة ضد الارهاب، وهو ما اراده وما خطط له هذا الارهابي المحترف في اعقاب هجمات 11 سبتمبر. على ان التطابق الامريكي ـ الاسرائيلي هنا لم يكن حالة طارئة او معزولة، انما هو استعادة لحالات كثيرة مماثلة استحال فيها التمييز بين موقفين ايجابيين، بحيث بات كل ما يصدر عن اي منهما وكأنه صادر عن كليهما معاً. الدور المعطل ان ذلك مفهوم تماماً ولا يفاجئ احداً بعدما اصبح من الحقائق السياسية في منطقة الشرق الاوسط. ولكن لا ندري اذا كان الرئيس الامريكي قد اكتشف الان، وبعد كل المجازر التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي طبيعة المواجهة في الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ وهل بات يدرك فعلاً ان الشعب الفلسطيني كله، بدون استثناء، يتصدى لقوات الاحتلال، وبالتالي فإن هذا التصدي البطولي لا يقتصر على اشخاص معدودين تتهمهم اسرائيل والولايات المتحدة بالارهاب. الا اذا كان الرئيس جورج بوش آلى على نفسه الا يرى الاحتلال الاسرائيلي، واذا رآه الا يسميه باسمه، ما ادى الى اختلاط الامور عليه في النهاية بحيث اصبح عاجزاً عن التمييز بين من هو الارهابي، ومن هو الذي يدافع عن نفسه؟! من الواضح ان الرئيس الامريكي مازال يتصرف تحت تأثير صدمة الحادي عشر من سبتمبر. واذا كان تأييده لسياسة شارون الدموية يعكس حقيقة الانفعالات التي تنتابه، وهو في اعلى هرم السلطة، فلنا ان نتوقع مزيداً من الكوارث في انحاء مختلفة من العالم. ذلك ان الولايات المتحدة هي التي تمسك بزمام الامور في كل ما يتعلق بشئون العالم، ومن المؤكد ان قراراتها تؤثر تأثيراً مباشراً على القضايا العالمية كافة، لاسيما بعدما تعطل كلياً دور الامم المتحدة ومجلس الامن ومختلف المؤسسات الدولية. وازاء ذلك، ليس من المبالغة القول ان كل خطأ ترتكبه الادارة الامريكية، عن جهل وسوء تقدير، او تحت ضغط اللوبيات المحلية، سيدفع العالم ثمنه بالكامل. ولعل ما يحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة خير مثال على ذلك. بل انه، كما يبدو، غيض من فيض، وفقاً للتوقعات السائدة. فالآتي اعظم.. اذا لم تتحرر الادارة الامريكية من عقدتها الحالية، واذا لم تعد النظر في سياساتها السابقة والحالية. ادراك منقوص من هذا المنطلق ذاته لابد من التساؤل عما اذا كانت العبارة التي اطلقها وزير الخارجية الامريكي وحذر فيها ارييل شارون من مواصلة المراهنة على تصفية الشعب الفلسطيني كله عبر التركيز على احصاء المدنيين الذين يقتلهم يومياً، تشير الى ادراك امريكي، ولو متأخر، لعبثية الحرب العدوانية التي تشنها الحكومة الاسرائيلية على الفلسطينيين. اذ ان هذا الادراك، في حال صحته او صدقه، كان ينبغي ان ترافقه او تعقبه خطوات عملية وحاسمة لوضع حد لحمام الدم الذي تقدم شاشات التلفزة ووسائل الاعلام المختلفة صوره الفظيعة للعالم يومياً. فهل القناعة التي توصل اليها كولن باول، هي موقف شخصي لا يلزم احداً سواه، كما هو الحال بالنسبة للعلاقة القائمة بين شارون ووزير خارجيته شيمون بيريز، ام انه يعبر عن رأي الادارة الامريكية مجتمعة؟ ذلك ان باول نفسه كان توصل الى استنتاج غريب، مضمونه ان الظرف غير ملائم لايفاد مبعوثه الى المنطقة انطوني زيني. لكن حدث بعد ذلك ما يخالف هذا التصور، اذ تقرر في اليوم نفسه ارسال زيني ليجرب حظه مرة اخرى. على ان المشكلة لا تكمن في ما اذا كان مبعوث وزير الخارجية سيأتي ام لا، بل فيما ينبغي ان يفعله في المنطقة، واي موقف ستتخذه ازاء الوضع الكارثي الذي تشهده المناطق الفلسطينية المحتلة؟ ذلك ان الرئيس الامريكي مازال يتجنب توجيه اي انتقاد لاعمال شارون الوحشية ولسياسته التدميرية، بما يعد تشجيعاً له على التمادي اكثر في استخدام آلته العسكرية الضخمة ضد الشعب الفلسطيني الاعزل. فهل يحصر مهمته بممارسة مزيد من الضغط على السلطة الفلسطينية، كما فعل في الماضي، وحتى الان، لحملها على الاستسلام؟! عقدة سبتمبر اذا كان هدف زيارة المبعوث الامريكي الجديدة العودة الى المطالبة بتطبيق «تفاهمات تينيت» وتقرير ميتشل، وترك الباقي لتقدير شارون، فهذا يعني ان الادارة الامريكية لا تريد تحقيق تسوية سلمية تضع حداً للمواجهة الدموية الحالية، بل هي لاتزال تراهن على هزيمة الشعب الفلسطيني واستسلامه. فالتقريران المذكوران تجاوزتهما الاحداث، كما يؤكد الاتحاد الاوروبي، ولم يعودا صالحين للتعامل مع التطورات الجديدة. ذلك ان الجانب الامني يطغى على وسائل المعالجة التي يقترحانها. ولا حاجة الى القول، وبعد كل ما حدث على مدى الاسابيع الماضية، ان النظرة الامنية الاحادية، المسكونة باطماع شارون التوسعية وبعقدة 11 سبتمبر الامريكية، سقطت تماماً ولم يعد لها من مكان في التحليلات السياسية الجادة، الرصينة والموضوعية. ولا حاجة لنا بتذكير الادارة الامريكية بالنتائج التي جرّتها هذه الرؤية المحدودة والتبسيطية على طرفي المواجهة، وما يمكن ان تجرّه على المنطقة باسرها، اذ ظل شارون مصراً على ان يركب رأسه محاولاً فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني المقاوم، وهو امر مستحيل بالتأكيد. ويكفي ان يطلع اقطاب الادارة الامريكية، وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش، على ما تنشره الصحف الاسرائيلية، بمختلف اتجاهاتها، من تحليلات تنتهي كلها الى نتيجة واحدة هي فشل سياسة شارون الأمنية وسد ابواب السلام امام اسرائيل وكل الاطراف المعنية في المنطقة. فماذا يحمل انطوني زيني في جعبته هذه المرة من افكار واقتراحات لاخراج اسرائيل والمنطقة من المأزق الذي تسببت فيه سياسات شارون الحمقاء؟ لعبة مكشوفة ان «التهدئة» التي تتحدث عنها الادارة الامريكية، باعتبارها الخيار الوحيد الذي يمكن ان تطرحه على الجانبين، لم يعد كافياً في مواجهة التصعيد الخطير في الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين. واذا كان خيار شارون الوحيد هو قتل المزيد من المدنيين الفلسطينيين لارهاب الباقين ودفعهم للرحيل الى الاردن، فإن خيار الشعب الفلسطيني هو البقاء فوق ارضه والتمسك بحقوقه كاملة، ثم مقاومة الاحتلال وآلته العسكرية التدميرية من دون هوادة، اياً تكن النتائج. وازاء هذا الانسداد الكامل لابد من اقتراحات سياسية واضحة يقدمها المبعوث الامريكي للعملية السلمية استناداً الى قرارات الامم المتحدة، او التعاطي بايجابية مع الاقتراحات المقدمة من اطراف عربية ودولية، في حال امتناع الولايات المتحدة عن التدخل عبر مبادرة سياسية خاصة بها. والمهم، في كل ذلك، هو الخروج من «العقدة الامنية» التي تحكم السلوك الامريكي حالياً وتشل حركة ادارة بوش، وفتح ابواب السلام التي اغلقها شارون.اما اذا كان هدف زيارة المبعوث الامريكي الجديدة خلق الاجواء المناسبة لتوفير فرص النجاح لجولة نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني على دول المنطقة تمهيداً للحرب التي تعدها الادارة الامريكية ضد العراق، وفقاً لمختلف التوقعات، فإن مصيرها سيكون الفشل الذريع. ذلك ان اللعبة الامريكية الاسرائيلية باتت مكشوفة تماماً، ولم يعد الرصيد الامريكي لدى اي من الدول العربية يسمح بالمزيد من اعطاء الفرص، او الاعذار للولايات المتحدة، تحت اي ظرف من الظروف. الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية هو المشكلة الاساسية، وكل ما عدا ذلك انما هو ناشئ عنه ويدخل في باب التفاصيل. هذا ما ينبغي ان يدركه المبعوث الامريكي حتى يكون لمهمته اي معنى. ـ كاتب لبناني